معبر رفح.. الاسرار والخفايا الاقتصادية

الأحد 10 يناير 2016 11:07 م بتوقيت فلسطين

لم يعد يخفى على احد ما تعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من حصار وتدمير وقتل ممنهج واغلاق كافة المعابر التي تحيط به والاجراءات الامنية التي مست بابسط الحقوق الانسانية التي يمكن ان تحفظ له حياة كريمة وبالحد الادني من الانسانية .


لقد اغلق معبر رفح البري الرابط بين جمهورية مصر العربية وقطاع غزة المحاصر منذ ما يزيد عن 9 سنوات ولم يكن يعمل المعبر بطاقته الطبيعية ولم يتم فتحه الا للحالات الانسانية وفي اوقات قليلة جدا على مدار الاعوام الماضية، وحرم من المرور من خلاله الاف الطلاب والحالات الانسانية المرضية واصحاب الاقامات والاعمال خارج القطاع.


لقد سعى الكل الفلسطيني من اجل انهاء هذه الازمة، والتي كانت انعكاس سياسيا للمواقف المصرية من حركة حماس التي سيطرت على القطاع عام 2007 ، وبما يتوافق مع رؤية السلطة بضرورة عدم اعطاء حماس اية امتيازات لها في القطاع لحرمانها من تمكين نفوذها وقوتها.


وعملت حماس خلال العامين 2012و2013 على احداث اختراق على صعيد فتح معبر رفح الحدودي وانشاء ما اطلق عليه في حينه المنطقة التجارية الحرة، مستغلة نجاح الاخوان المسلمين في مصر من خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتولي الرئيس السابق محمد مرسي لمقاليد الامور في القاهرة.


الا ان الهجمة التي تعرضت لها الحركة في حينه من السلطة الفلسطينية وممن رفضوا الفكرة في القاهرة كانت هجمة منظمة واحتمت كل الاطراف المعارضة خلف الاهداف والمشاريع الاسرائيلية الهادفة الى القاء غزة في الحضن المصري كما قالوا في حينه، بالاضافة الى انه من غير الممكن ولا القانوني استخدام معبر رفح بشكل تجاري بناء على اتفاقية باريس الاقتصادية واتتفاقية العام 2005 والتي كانت وفقا للسلطة الفلسطينية تمنع هذا الامر كون السلطة الفلسطينية لا تملك باركود جمركي او تجاري مع العالم وهذا ما لا يمكن تجاوزه في التجارة الدولية.


اليوم وقد خرجت السلطة الفلسطينية بدلا من حركة حماس لتضع هذا الملف على الطاولة بعد ان اغلق بانهاء حكم الاخوان المسلمين في مصر واسقاط الرئيس مرسي. فما هو الجديد؟؟!!


فقد طرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطابه الاخير مبادرة سياسية لانهاء ما اسماه المعاناة للمواطن الفلسطيني في غزة، وشدد على ضرورة ان يتم فتح المعبر للافراد والتبادل التجاري بين غزة ومصر لانهاء ظاهرة الانفاق الغير شرعية وضمان امن مصر.
فهل اقتنع الرئيس بما كانت تطالب به حماس قبل سنوات، ام ان هناك ما هو مستجد على المستوى السياسي والاقتصادي للسلطة الفلسطينية من جهة وجمهورية مصر العربية من جهة اخرى؟.


وهنا يمكننا ان نرى التوجه الجديد بانه لا يأتي الا في الاطار الاقتصادي المصلحي بالنسبة للسلطة الفلسطينية وجمهورية مصر العربية، وان غزة هي المستفيد الغير مباشر من هذه المبادرة، واستنادا الى القرارات المتوقعة من السلطة الفلسطينية اتجاه اسرائيل والمرتبطة بامكانية وقف التعامل باتفاقية باريس الاقتصادية، والتي تمثل المخرج الامن للرئيس عباس لاتخاذ موقف يعتبر جديد وشجاع على المستوى السياسي والشعبي.
فان خيارات السلطة الفلسطينية على هذا الصعيد سترد عليها اسرائيل مباشرة بحجز الاموال الفلسطينية (المقاصة) في حال اتخاذ قرار مرتبط بوقف العمل باتفاقية باريس، وتشكل المقاصة ما يزيد عن 70% من اجمالي ايرادات السلطة الفلسطينية العامة والمقدرة بما يزيد عن 600 مليون شيكل شهريا، والذي يشكل غيابها انهيارا ماليا سريعا للسلطة الفلسطينية.


ويبدو ان السلطة الفلسطينية والتي تعلم جيدا بان ما يقارب 65% من اجمالي اموال المقاصة هي من مساهمة ايرادات قطاع غزة، تسعى الى توفير شبكة الامان المالي على حساب القطاع المحاصر، بعد اتخاذها لقرار متوقع بوقف العمل باتفاقية باريس، من خلال تعويض اموال المقاصة الفلسطينية التي تساهم بها غزة عبر تحويل المسار التجاري لغزة باتجاه جمهورية مصر العربية، الامر الذي يمكن ان يعزز ضمان استمرار تدفق الاموال الضريبية بل ويعمل على زيادتها، كونها لن تقف عند حدود المقاصة المتعارف عليها من غزة بل ستزداد بسبب الانسيابية في دخول البضائع بالاضافة الى االسماح بالتصدير، الامر الذي سيعزز ايرادات السلطة الفلسطينية وسيضمن لها الانفكاك عن اي ضغط او ابتزام مالي من قبل اسرائيل ف يحال اقدامها على وقف العمل باتفاقية باريس.


وعلى الصعيد المصري فان النظام المصري سيُعتبر من اكبر المستفيدين من هذا الامر على المستوى الاقتصادي و السياسي والدبلوماسي من خلال استعادة الزخم والحراك السياسي وعودة مصر للعب دورها الاقليمي والدولي من خلال البوابة الفلسطينية وعنوانها قطاع غزة، بالاضافة الى الاستفادة من الاموال الفلسطينية "العملة الصعبة -الدولار" والتي تقدر سنويا 3 مليار دولار، في الوقت الذي تعاني فيه مصر من نقص حاد في العملات الاجنبية، وتواجه ازمات اقتصادية مركبة نتاج ذالك.


فما كانت ترفضه القيادة المصرية والسلطة الفلسطينية لحماس ولغزة سابقا، ها هي اليوم تعمل وبكل الجهد مسخرة مختلف الاطراف المحلية والاقليمية والفصائل الفلسطينية من اجل اقناع حركة حماس السماح لحكومة الوفاق بادارة معبر رفح وتمكين السلطة الفلسطينية من ادارته لمرور الافراد والبضائع التجارية وتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية من خلال البوابة الغزاوية، وباقل تكلفة مالية وسياسية وامنية بالنسبة للسلطة الفلسطينية والنظام المصري الحاكم.


ان الادراك لدى السياسي الفلسطيني في رام الله توصل اخيرا الى ان غزة هي المنجد المنقذ لازماته السياسية واخراجه من مأزق انسداد الافق فيما يسمى بحل الدولتين ومجارات الاقليم والعالم فيما يتعلق بانهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فهل يقتنع ايضا بان غزة المنجد المنقذ تحتاج الى من يعيد اعمارها وبناء منازلها وتطوير مرافقها وبنيتها التحتية واقتصادها وخدماتها الاساسية التي يحتاجها الفلسطيني في غزة اشد الاحتياج؟؟؟!!!