نظام إدارة الجودة الشاملة و التجارب الدولية .

السبت 28 يناير 2017 10:35 ص بتوقيت القدس

نظام إدارة الجودة الشاملة و التجارب الدولية .

تعتبر إدارة الجودة الشاملة TQM أحد أهم نتاجات تطور الفكر الإداري وإفرازاً طبيعياً للتغيرات المصاحبة لهذا العصر ، مثل التنامي المتزايد لظاهرة العولمة وأهمية المنافسة ونشأت التكتلات الإقتصادية وسيطرة تكنولوجيا المعلومات على الحياة المعاصرة، وذلك بإعتبارها – أي إدارة الجودة الشاملة – فلسفة وثقافة تنظيمية تسعى لتحقيق التميز – في القطاعين العام والخاص – والاستجابة لتوقعات وحاجات ورغبات العميل أو المستخدم كونه المحور الأساسي في فكر المنظمة، وتركز على إيجاد ألية أو نظام عمل متكامل لتحقيق أعلى مستويات الأداء لتلبية توقعات العملاء.

نشأة إدارة الجودة الشاملة:

يعود الفضل في تطور مفهوم إدارة الجودة الشاملة إلى عدد من المفكرين الأمريكيين واليابانيين والذين من أهمهم :

1-     إدوارد ديمنغ W. Edwards Deming )1900-1994)

2-     جوزيف جوران Joseph Juran)1904- 00 )

3-     فيليب كروسبي Philip Crosby )1926-2001)

4-     كاورو اشيكوا Kaoru Ishikawa )1915-1989)

5-     فيجين بيام Feigenbaum )1919- 00 )

وعدد آخر من العلماء الذين أثروا فلسفة الجودة الشاملة مثل الإحصائي المشهور ولتر ستيورت Walter Stewart فخلال الحرب العالمية الثانية تطورت معايير الجودة لمعدات الحرب في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي تعتبر بلد المهد لنظام إدارة الجودة الشاملة ، وقد أرتكزت تلك التطورات على عمل ولتر ستيورت Walter Stewart الذي طور ما سمي بـخرائط التحكم Control Charts  وذلك للتحكم ولتحليل التغير أو الإنحراف طوال الوقت وأثناء العملية الإنتاجية، وهذه المعايير نجحت في تحسين جودة المنتجات عبر رقابة دائمة على جودتها بطريقة إحصائية متميزة.

التجربة اليابانية:

بعد الحرب العالمية الثانية أدركت اليابان ، بعد أن خضعت للإدارة الأمريكية ، أنها لن تستطيع مواجهة التنافس الاقتصادي والانتاجي المحموم ببضائعها ذات الجودة المنخفضة وقتها ، لذا عمدت الشركات اليابانية بمساعدة الاستشاري المشهور وليام إدوارد ديمنغ وزميله جوزيف جوران إلى إبتكار أو تقديم ما سُمي بنظام التحكم بالجودة Quality Control System  وتم ذلك العمل تحت قيادة وإشراف الإتحاد الياباني للعلوم والهندسةJUSE  الذي أنطلق نشاطه عام 1950م.

وأستمرت اليابان في تطوير قدراتها مستفيدة من فترة ما بعد الحرب وكذا الحرب الكورية والحرب الفيتنامية أخيراً لتدخل حقبة شهدت فيها اليايان تطوراً متنامياً خلال الستينيات من القرن العشرين التي أتسمت بالمعجزة اليابانية.

التحرك الياباني نحو الجودة بدأ ملامحه بعد أن لاحظت إدارات بعض الشركات اليابانية في عامي 1948و1949م أن تحسين الجودة ينتج عنه وبشكل طبيعي وحتمي تحسنٌ في الإنتاجية. وقد وتوصلوا إلى هذه النتائج أو الملاحظات الهامة بعد أن قام عدد من المهندسين اليابانيين بدراسة أدبيات ضبط الجودة والتي تمت في مختبرات شركة بل Bell Laboratories  ، ومن هذه الأدبيات كتاب شوهارت "الضبط الإقتصادي لجودة المنتج المصنع" وكانت النتائج مذهلة ، حيث أتضح أن الإنتاجية تتحسن فعلياً كلما تم تقليل التباين تماماً ، كما تنبأ شوهارت في كتابه.

ومنذ عام 1950م وفي كل إجتماع للقيادات الإدارية العليا في اليابان يوضع الشكل التالي في السبورة وهذا الشكل المسمى بالتفاعل التتابعي جاء نتيجة زيارة قام بها الخبير الأجنبي ديمنغ في صيف 1950م ، وأصبح هذا الشكل أسلوب حياة كما وصفه إدوارد ديمنغ في كتابه "الخروج من الأزمة" وأصبح لدى جميع الأفراد في اليابان منذ ذلك الوقت هدف مشترك ألا وهو الجودة.

التجربة الأمريكية:

بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي بلد المهد لفكر إدارة الجودة الشاملة كونها موطن الأب الروحي لهذا النظام إدوارد ديمنغ إلاَّ أنها لم تحقق تحركاً ملموساً وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في هذا المجال . وفي عام 1980 أدركت الإدارة الحكومية الأمريكية أهمية التحدي الياباني فأصدرت ABC White Paper  المقولة المشهورة "If Japan can, Why can't we?"  إذا كانت اليابان تستطيع فلماذا لا نستطيع ؟.

ولهذا أستمر الأمريكيون في البحث عن السر الياباني الذي مكنهم من تحقيق هذا النجاح على صعيد إنتشار منتجاتهم حول العالم وبجودة غير مسبوقة، وبالفعل أطلق على الأسلوب الياباني لفريق العاملين "دائرة الجودة" وقد تم تبنيه في عدد من المؤسسات الأمريكية لكن لم تظهر نتائج سريعة ، وفي منتصف 1980م ظهر الجيل الثاني من المبادرين والذين أدركوا المبادئ الاستراتيجية لإدارة الجودة الشاملة وأنها ربما هي الطريق الوحيد للنجاح في المنافسة في عالم تتنامى فيه منافسة العولمة الإقتصادية.

وهنا تجدر الإشارة أن الأب الأول لإدارة الجودة الشاملة إدوار ديمنغ واجه صعوبة إلى حدما في نشر مبادئ الجودة الشاملة في الولايات المتحدة الأمريكية ، موطنه ، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، وذهب إلى اليابان بناءاً على دعوة وجهت له كما ذكرنا ليحقق هناك أقصى النجاحات. ويعد كتابه "الخروج من الأزمة Out of the Crisis (1986)" من أهم وأشهر الكتب التي تشرح كيف يمكن أن يقدم نظام الجودة، وآخر كتاب له " الإقتصاد الجديد للصناعة، الحكومة، التعليم The New Economics for Industry, Government, Education (1993)" والذي طبع في سنة وفاته ويناقش أهمية فكر الجودة للمنافسة الوطنية والرخاء الاقتصادي.

نظام إدارة الجودة الشاملة الذي بدأ تطبيقه في مصانع السلاح كما أشرنا، أنتقل تطبيقه إلى الشركات الصناعية وحقق نجاحا كبيرا ، ومن ثم أنتقل ليحقق نجاحا ملموساُ في مؤسسات الخدمة العامة التابعة للحكومة مثل الصحة والتعليم.

التجربة الماليزية:

تعد ماليزيا من الدول التي استطاعت بجدارة أن تلحق بركب التطور، وبوقت قياسي، هذه الدولة ذات النظام الملكي الدستوري والتي تحكم في إطار فيدرالي ديمقراطي برلماني ، حققت ما يمكن أن يطلق عليه "معجزة أسيا" خلال الثلاثة عقود الماضية. وفي موضوع نظام إدارة الجودة الشاملة TQM بدأت المؤسسات العامة في ماليزيا الاهتمام بـ "تعزيز النوعية" في أواخر الثمانينيات ، ولذا فإننا نجد أن فكر "الجودة" أندمج وواكب حركة ثقافة العمل الممتاز  The Excellent Work Movement والتي انطلقت في 27 نوفمبر 1989م.

تمثل اهتمام الحكومة الماليزية في دعم وتبني وتطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة TQM عبر ما أسهمت به الوحدة الوطنية الماليزية للإدارة والتحديث (MAMPU) والمسئولة عن إطلاق جائزة رئيس الوزراء للجودة ، والتي أنتجت وقدمت العديد من المعلومات المساعدة في مراجعة نظام إدارة الجودة الشاملة في ماليزيا منذ إنظلاقها في عام 1991م من خلال Development Administration Circular (DAC) إعلان التنمية الإدارية رقم 4/91 والذي عنوانه " المبادئ التوجيهية لوضع إستراتيجيات تحسين الجودة في مؤسسات الخدمة العامة" ، وأدى تطبيق هذه المنهجية إلى تحقيق نجاح واسع في طريقة إدارة النظم والتي أدت بدورها إلى التحسين المستمر في قطاع الخدمات العامة التابعة للحكومة. وقد استخدمت الحكومة الماليزية في سبيل دعم تطبيق وتنفيذ إدارة الجودة الشاملة العديد من الأساليب ومنها:

1-     إطلاق جائزة رئيس الوزراء للجودة ، وذلك لتشجيع التنافس في تحقيق الجودة ومتطلباتها . والجدير بالذكر أن هذه الجائزة أنطلقت في عهد رئيس الوزراء مهاتير محمد ، وهو قائد النهضة الماليزية .

2-     يصدر مكتب رئيس الوزراء الماليزي دليل خدمي لإدارة الجودة الشاملة وتطويرها في القطاع الخدمة العامة وبشكل دوري يتضمن تعليمات تضمن تطوير الجودة ومتطلباتها.

3-     يتم تقييم فئات مثل : دوائر الجودة ، الإبتكار ، التدريب ، سياسات الجودة. وذلك عبر حلقات نقاش ومناقشات وسمنارات ومؤتمرات إدارية في المنظمات.

بعض المؤسسات يجب أن تنشئ دائرة مراقبة بالجودة  Quality Control Circes  (QCC) وهي مجموعة مسئولة عن مناقشة وحل المشاكل المعروضة والمتوقعة.

كانت تلك بعض التجارب الدولية الناجحة في إعتماد نظام إدارة الجودة الشاملة على مستوى العالم ، وتظل تجربة الوطن العربي فيه متواضعة جداً ، خاصة عند المقارنة مع أمريكا واليابان وماليزيا . وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك محاولات جادة ، إلى حد ما ، في المملكة الأردنية الهاشمية والسعودية في تبني نظام إدارة الجودة الشاملة TQM نتمنى أن تتطور وتشمل كذلك بقية أقطار الوطن العربي ومنها دولة فلسطين الحبيبة بإذن الله

 

سمير خميس رشيد

استشاري تطوير أعمال

 

 


غزة / الاقتصادية