الهنـدرة ... العـلاج المفقود والمطلوب لمـرضى قـطاع غــزة

الأربعاء 27 ديسمبر 2017 05:57 م بتوقيت القدس

الهنـدرة ... العـلاج المفقود والمطلوب لمـرضى قـطاع غــزة

       هناك عقبتان تشكلان تحدياً حقيقاً، وتعترض أصحاب الأمراض الخطيرة في قطاع غزة وتعرقل الحصول على الخدمة الصحية المناسبة.  واحدة من هذه العقبات بالإمكان إزالتها فوراً وتتمثل في الإجراءات الإدارية والصحية المعقدة والمملة التي يتوجب على المريض اتباعها واستيفاءها في معرض سعيه للحصول على التحويلة الطبية من وزارة الصحة.

 والعقبة الثانية وتحتاج موقفاً سياسياً وقانونياً عالي المستوى لمواجهة سياسة الاحتلال الإسرائيلي جراء مواصلة القيود المشددة على حرية الحركة والتنقل وحرمان المرضى من الوصول إلى المستشفيات خارج قطاع غزة بغية تلقى العلاج، وهذه الانتهاكات اللإنسانية التي أزهقت أرواح (17) مريضاً منذ مطلع العام الحالي، حازت على قسط من التغطية الحقوقية والإعلامية.

وبالرغم من بشاعة القيود الإسرائيلية إلا أن العمليات والإجراءات المستندة للقواعد الإدارية المحددة والصارمة في وزارة الصحة لا تقل عن سابقاتها ألماً ووجعاً، ففي منظر تقشعر له الأبدان تجد المريض يسعى بين الدوائر والأقسام التابعة لوزارة الصحة مستعيناً إما بعكاز طبي، أو كرسي متحرك، وآخر يحمل كيس المحلول بيده، كلاً يهم ويسابق الزمن لاستيفاء الإجراءات الإدارية المطلوبة حتى يتسنى له الحصول على التحويلة الطبية التي تمكنه من السفر وتلقى العلاج، وسط أمواج متلاطمة من معاناة ألم المرض الذي يتلوه ألم البيروقراطية الإدارية ويتلوه ألم المماطلة والرفض الأمني الإسرائيلي.

وفي تفاصيل الشؤون الإدارية يتوجب على المريض استكمال جملة من الإجراءات في أقسام ودوائر وزارة الصحة الفلسطينية، أولى العمليات تتطلب خضوع  المريض للفحوصات الطبية داخل أقسام المستشفى الحكومي الواقع في منطقة سكناه، وتُجرى له التحاليل الطبية وعلى ضوئها يتم تحديد مكان العلاج للمريض إما في المراكز الصحية بقطاع غزة أو التوصية بتحويله للخارج حال تعذر علاجه محلياً، وهنا يُمنح تقريراً طبياً بات يعرف بنموذج رقم (١). ثم ينتقل المريض لاستكمال العملية الثانية في دائرة يطلق عليها اسم " العلاج بالخارج" وهناك يتم التثبت من المرفقات مثل التقرير الطبي، وصورة إثبات الشخصية (الهوية)، ونتائج الفحوصات مثل -فحص الدم، وصورة الرنين المغناطيسي، والصورة المقطعية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل في العملية الثالثة بُحول ملف المريض إلى اللجان الطبية المتخصصة حسب نوع وطبيعة المرض بهدف التأكد من دقة المرفقات والتحقق من البيانات، وعندما تقتنع اللجنة بذلك يعود الملف الطبي إلى المختصين في دائرة العلاج بالخارج تمهيداً لفحص ومراجعة قرارات اللجنة الطبية.

ويخاطب المريض في العملية الرابعة واحدة من المستشفيات الواقعة خارج قطاع غزة، والمنوي شراء الخدمة منها للحصول على حجز موعد، وبعد الحصول على الموافقة النهائية وحجز المستشفى،  ينتقل الملف الطبي للمريض إلى العملية الخامسة حيث تشرع الدائرة بإرساله إلى دائرة شراء الخدمة في مقر الوزارة بمدينة رام الله للحصول على الموافقة أو ما يعرف بالتغطية المالية - التي انخفضت بشكل ملحوظ خلال عام (2017م) جراء تفاقم الأزمة السياسية الداخلية-، وأحياناً يتم دمج العمليتين وهما حجز المستشفى، والتغطية المالية في عملية واحدة.

يحمل المريض في العملية السادسة ملفه الطبي الذي يشتمل على الأوراق التالية: موافقة المستشفى خارج قطاع غزة: (الموعد- الحجز)، والتقرير الطبي باللغة الإنجليزية، صورة هوية المريض، وصورة هوية المرافق، وإثبات التغطية المالية، ويقوم بتسليم الملف إلى دائرة التنسيق والارتباط في وزارة الصحة حيث يخضع الملف للفحص. ثم ينتهي المطاف بالملف الطبي، ويحوّل إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي تمهيداً للحصول على تصريح مرور يمكن المريض من اجتياز حاجز بيت حانون (إيرز) الذي تسيطر عليه تلك السلطات. والعملية السابعة والنهائية يتلقى المريض من مكتب التنسيق نتيجة الطلب المقدم، والنسبة الأكبر من هذه الطلبات يكون مصيرها المماطلة أو الرفض ليضطر المريض العودة من جديد، ويكرر العمليات والإجراءات بدءاً من دائرة العلاج بالخارج والعمل على حجز موعد جديد.

هذه السلسلة الطويلة من العمليات الإدارية المرهقة جسدياً ونفسياً ومادياً أُجبر حوالي (21.152) مريضاً من سكان قطاع غزة وهم عدد المرضى المحولين خلال عام (2016م) لاستيفاءها واستكمالها ولنا أن نتخيَل كم استنزفت هذه العمليات من المرضى وذويهم من الموارد جراء المتابعة والاتصالات والانتظار بالإضافة لتكاليف المواصلات والتنقل، ولنا أن نتخيل حجم وكمية الأوراق والوثائق والملفات المتراكمة داخل أروقة وأقسام الدوائر بعد أرشفتها يدوياً.

ولمعالجة ومواجهة هذه الضغوط على المريض، يتطلب ذلك دمج العمليات والإجراءات وتقليص الدورة الزمنية كون الزمن عاملاً حاسماً في حياة المريض، وهنا يتحتم علينا إعادة تصميم العمليات السابقة بالاستناد على التكنولوجيا الحديثة، كي ننجَح في خفض التكلفة وتحقيق السرعة، وتحسين مستوى الخدمة، وهذا ما كفلته (الهندرة) التي تستغل التطور الهائل للتكنلوجيا، وتستثمر الابتكارات العلمية لإحداث تحسينات جوهرية على الخدمة من خلال استثمار الشبكة العنكبوتية التي تقلص العمليات وتقلل الزمن اللازم لها، مما يخفض الجهد والتكاليف على المريض وذويه.

 ففي ضوء المفاهيم المعاصرة أوجد الفكر والفلسفة في الإدارة الحديثة عملية اشتقت من الهندسة والإدارة أطلق عليها اسم (الهندرة) وتدعو إلى إعادة النظر، وبشكل جذري في الأنشطة والإجراءات والعمليات وإعادة تصميمها من جديد، واختزال بعض العمليات للحد من الأساليب التقليدية كما تستعيض عن الملفات الورقية عبر حوسبة الأعمال الإدارية واستثمار التقنيات الأمر الذي يقلل من الإجراءات الروتينية، وحينها يتسنى للمريض متابعة نتائج طلبه من على السرير داخل منزله عبر برنامج إلكتروني يُنصب على هاتفه الشخصي، أو الألوح الكفية (التابلت)، أو الحاسوب ويتجنب المريض مشقة التنقل والحركة بين الدوائر والأقسام الحكومية، كما يضمن ذلك السرية كونها تشكل علامة فارقة في الخدمة فالعديد من المرضى لاسيما من النساء يُفضلنَ أن تكون رحلة العلاج طي الكتمان.

 إذن المطلوب إعادة التفكير من جديد في العمليات الروتينية والتقليدية والاستعانة بتكنولوجيا المعلومات ومراعاة الأمان المعلوماتي، كي تصبح نموذجاً متكاملاً يمهد للحكومة الإلكترونية الحقيقية ويعزز شعور المستفيدين بالرضا والاطمئنان والثقة، ويُنمى قيم المواطنة والولاء ويحقق مقومات الخدمة ذات الجودة والتميز باعتبارها المدخل الحقيقي للإصلاح الإداري والتنمية التي ينتظرها، ويستحقها المواطن بخاصةٍ بعد قرار إنجاح المصالحة الفلسطينية الداخلية وتوحيد النظام الإداري.


بقلم: باسم يونس أبو جــريّ.