شطارة التاجر التركي وحماقته السياسية

الإثنين 08 يناير 2018 10:15 ص بتوقيت فلسطين

شطارة التاجر التركي وحماقته السياسية

كان الأجدر بأردوغان أن يعود إلى تصفير المشكلات مع كل الأطراف في الإقليم، بدل محاولته إحاطة مصر بنقاط ارتكاز للعداءات معها، وغواية السودان والتركيز على الداخل الليبي الذي لن يترك للجماعة وفق أبسط الحسابات الاستراتيجية.

لا يختلف اثنان على رواج السلع التركية تجاريا، وعلى براعة الأتراك في النفاذ إلى الأسواق. ففي أسواق الإقليم وأوروبا، يحلون في المركز الثاني بعد الصينيين، ويتلقى الأوروبيون وحدهم نحو 52 بالمئة من صادرات تركيا، التي اعتُبِرت منذ سنوات سوقا ناشئة تسلمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان معافاة، بعد العديد من الانتكاسات التي بطشت بقوة الليرة التركية، ثم عولجت على مر مراحل عدة، انتهت بظهور الليرة الجديدة أو الاقتصاد الناهض.

فقد أدار أردوغان الاقتصاد التركي، منذ تقلده عام 2002 منصب رئيس الوزراء، واتبع خط التسويات الإقليمية، فاعتمد على أحمد داود أوغلو، ذي التأهيل الذي يمزج الإدارة العامة بالعلاقات الدولية، وصاحب نظرية تصفير النزاعات أو المشكلات.

في ذلك السياق، ركز أردوغان على حل المشكلات الاقتصادية وفي قلبها البطالة، للظفر بالرواج السياسي، وظلت ترجح في حساباته اعتبارات الربح، كتاجر أو كرئيس بلدية يدرك أهمية تجميل المدينة لكي تجتذب المزيد من السائحين. وكان كمن خبأ الأيديولوجيا في ثنايا أعماقه، وبدا غير ذي صلة بمظلوميات الآخرين، فأدار مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وسوريا، متمنيا أن تكون حميمة ومباشرة، قبل أن يصطدم بالفشل بعد أربع جولات اختتمت الأخيرة منها في العام 2009، بسبب أن إسرائيل لا يُجدي معها التفاوض، ولا تتقبل نقاشاً يتعلق بإعادة أية حقوق.

مع اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية، وُضعت شطارة التاجر مرة أخرى على المحك. وكانت أولى الخطوات انقلابه على تفاهمات سبتمبر 2009 مع النظام السوري، بعد أن قطع شوطاً مهماً في تلك العلاقات وأبرم اتفاقيات سياسية واقتصادية وسياحية، وألغي العمل بنظام التأشيرة وانفتح البلدان على بعضهما البعض، ومَنَحت جامعة حلب الدكتوراه الفخرية له.

لكنه، مع اندلاع الاحتجاجات، وجد مصلحته في الوقوف ضد النظام، وليته أعطى هذا الموقف استحقاقه، لكي يمكن للجيش السوري الحر استكمال السيطرة على البلاد وإدخالها عهدا جديدا. فلم يكن جيش الأسد، بعد عامين من الصراع، يمتلك من القدرة القتالية قبل أن يتدخل الروس، أكثر من بضع طائرات تقصف وترمي البراميل المتفجرة.

آنذاك التزم التاجر كل محددات السلوك التي وضعتها أميركا حيال الصراع وسجل فشلاً تاريخياً. تلعثم في حسابات المصلحة، عندما أصبح العمل ذا منحى استراتيجي. فالحركة على هذا الصعيد، تختلف عن حركة الأسواق. لكنه في الوقت نفسه أتاح لشذاذ الآفاق من المتطرفين الإرهابيين اجتياح الأراضي السورية، لتخريب قضايا الشعبين السوري والعراقي، تحت لافتة المشروع الإسلامي، وكأن أولئك الذين أتاح لهم اجتياح سوريا كالأفاعي، سيرحمونه إذا تمكنوا من سوريا.

فلم يمض وقت طويل حتى ارتد سحر الإسلاموي إلى نحره، لتطال الجرائم قلب تركيا نفسها، وكان ذلك كله في سياق حماقته على الصعيد الاستراتيجي، ما اضطره إلى بذل جهد كبير لتطويق المأزق، لكي يعود من الغنيمة بالإياب، ويصبح مهيئاً لممالأة الروس والإيرانيين، سبب نكبة الشعب السوري في قضيته، بل ليعمل أيضا على إعادة الدفء مع إسرائيل، في مرحلة شهدت أسوأ عروض استعلائها وإنكارها للحقائق، وتعديها على الشعب الفلسطيني وحتى على سوريا.

لكن العجيب والمُحيّر أنه عندما رأى ضالته في “الإخوان” فحالفهم وتناغم معهم في نزاعاتهم المفتوحة مع الأنظمة العربية (مع التغاضي تماما عن نزاعهم ومنطوق خطابهم حيال إسرائيل) بدأ في بناء استراتيجيته على قاعدة التناغم معهم، وكان ذلك غباء معطوفا على غبائهم.

فمن جانبه، لم يستطع أن يدرك أن حسابات الاستراتيجيا تختلف عن حسابات التجارة والأسواق والجذب السياحي، وأن من يفشل في حلب، التي هي على مرمى حجر، لن ينجح في القاهرة، وأن بلدا كبيرا ينطوي على مؤسسة عسكرية قادرة على الحسم بتأييد شعبي، كلما تعرضت لمخاطر تتهدد استقرارها، وبلداً لا يقبل القسمة ولا تتقبل ذائقته الفتن الداخلية، لن تؤثر فيه جماعة تفرقت في أربع رياح الأرض بعد أن فشلت في أخذ ناصية الرُشد في السياسة، مثلما فعلت الحلقة الإخوانية الجزائرية مثلا، لكي تظل حاضرة على الخارطة السياسية في البلاد.

فمن بين دروس التاريخ الفرعوني القديم أن الشعب على ضفتي النهر اعتمد منذ فجر التاريخ على نظام مُحكم للسقاية، وكانت حاجة الشعب إلى هكذا نظام تعادل حاجته إلى المياه نفسها.

لم يبرهن التاجر الشاطر على براعته في الاستراتيجيا، لذا فإن حركته في الإقليم التي تلازمت فيها المقاصد الربحية مع المقاصد السياسية لن تعود عليه بالربح على خطيْ هذه المقاصد. فمن الوجهة الاقتصادية لن يتمكن أردوغان من منافسة الدول الكبرى على نفط ليبيا.

أما السودان فقد دخل في مأزق اقتصادي يتهدده بالاضطراب الداخلي، ثم إن أبسط القراءات للمشهد الإقليمي تدل على أن جماعة “الإخوان” تواجه أفقا مسدودا، بل لم يعد خطابها ذو الطنين الجهادي، قادرا على إقناع أحد، أو على هجاء أحد وتعييره بالعلاقة مع إسرائيل، لكون سندها التركي الأردوغاني يعزز علاقاته معها.

كان الأجدر بأردوغان أن يعود إلى سياسة تصفير المشكلات مع كل الأطراف في الإقليم، بدل محاولته إحاطة مصر بنقاط ارتكاز للعداءات معها، وغواية السودان والتركيز على الداخل الليبي الذي لن يُترك للجماعة وفق الحسابات الاستراتيجية المستندة إلى حقائق المشهد وخارطة القوى على الأرض.


وكالات . الاقتصادية