مقال| لماذا لا تموّل البنوك الحملات الاعلانية ؟

الثلاثاء 09 يناير 2018 01:09 م بتوقيت القدس

مقال| لماذا لا تموّل البنوك الحملات الاعلانية ؟

تتحفظ العديد من البنوك على تمويل الحملات الإعلانية على إعتبار أنها تنطوى على مخاطر مرتفعة وزائدة وغير مقبولة إئتمانياً من جهة ، ومن جهة أخرى فإنها ذات عائد غير مؤكد وغير ملموس.

 

وبطبيعة الحال فإن هذا التحفظ ليس مطلقاً ولا يؤخذ على علاته ، ويرجع ذلك إلى أن الإعلان يخضع لقاعدة إقتصادية مهمة جداً تقيس تأثير الإعلان بطريقة رقمية ومباشرة على مبيعات الشركة ، حيث يتم قياس أثر الإعلان على المبيعات بمرونة الطلب الإعلانية وهى مقياس للزيادة فى المبيعات الناشئة عن الزيادة فى الإعلان.

فعلى سبيل المثال، إذا كانت مبيعات إحدى الشركات عشرة ملايين جنيه وقامت هذه الشركة بعمل حملة إعلانية بتكلفة قدرها خمسمائة ألف جنيه على مدى ثلاثة أشهر، ثم إرتفعت مبيعات هذه الشركة إلى ثلاثة عشر ملايين جنيه ، فإن الزيادة فى مبيعات هذه الشركة قد بلغت ثلاثة ملايين جنيه نتيجة إنفاق نصف مليون جنيه على الإعلانات ,ولكن قياس مرونة الطلب الإعلانية فى الواقع لا يتم بهذه السهولة، حيث يصعب كثيراً فصل أثر الإعلان فى زيادة المبيعات عن العوامل الأخرى المؤثرة إيجاباً أو سلباً على المبيعات ، ولكن من المؤكد أن للإعلان دور إيجابى ومؤثر فى المبيعات وفى تحفيز معدلات نموها.

إذن فالعلاقة طردية بين الإنفاق على الإعلانات وبين مبيعات الشركة طبقاً لمقياس مرونة الطلب الإعلانية ، وبرغم قوة هذه العلاقة فإنها بطبيعة الحال غير مطلقة لكونها محدودة بسقف يتمثل فى مدى تشبع الأشواق بالسلعة المعلن عنها وبالمركز التنافسى لها فى السوق وبخطط المنافسين الإعلانية.

وفضلاً عن صعوبة قياس مرونة الطلب الإعلانية بدرجة عالية من الدقة، فإنها تنطوى أيضاً على صعوبات أخرى تتمثل فى عدم التحديد الدقيق للفترات المالية التى يمارس فيها الإعلان دوره فى وزيادة مبيعات الشركة ، فربما تبدأ من اليوم الأول لبدء الحملة الإعلانية، وربما تبدأ بعده بعدده أيام، ولكن متى ينتهى تأثيرها تماماً على زيادة المبيعات؟ فهذا يصعب تحديده بدقة.

وتنفق الشركات الكثير من الأموال على الحملات الإعلانية بهدف زيادة وتنشيط مبيعاتها إعتماداً على إعمال مؤشر مرونة للطلب الإعلانية ، ففى شهر رمضان المبارك تكون الحملات الإعلانية فى ذروتها لأن معدلات الإستهلاك بالنسبة لمعظم السلع الإستهلاكية تكون فى ذروتها أيضاً فى هذا الوقت مقارنة بالأوقات الأخرى من السنة، لذلك تكثف الشركات من حملاتها الإعلانية فى هذا الوقت لتعظم من مبيعاتها.

ويعتبر الإعلان ضرورى جداً لتسويق المنتجات بشكل عام ، ويتعاظم دوره من قطاع إقتصادى لاّخر، فالإعلان بالنسبة للقطاع السياحى مهم جداً جداً، وتسهم العروض الترويجية فى التدفق السياحى ولاسيما أثناء أوقات الركود والأزمات , لذلك فإن التحفظ المصرفى على تمويل الحملات الإعلانية يكون بمثابة تحفظاً فى محله إذا نظرنا إلى الحملة الإعلانية بشكل منفصل عن نشاط الشركة بمعنى تمويل الحملة الإعلانية كعملية تمويل وحيدة ومستقلة ، ولكن إذا نظرنا إلى تمويل الحملات الإعلانية كإحتياج ومتطلب تمويلى ضمن حزمة الإحتياجات التمويلية للشركة فإن هذا التحفظ المصرفى على تمويل الحملات الإعلانية يكون فى غير محله.

هذا عن نظرة الإقتصاد الرأسمالى للإعلانات و الذى جعل منها صناعة كبيرة جداّ , أما الفكر الإقتصادى الإشتراكى و الشيوعى فينظر إلى الإعلانات بأنها أداه لتضليل المستهلك و التأثير عليه لإنفاق أمواله لشراء سلع وخدمات لا يحتاجها و/ أو تجعله يعيش فى مستوى أكبر من إمكانياته المالية من جهة , ومن جهة أخرى تؤدى الإعلانات إلى تأثير سلبى على معدلات الإدخار فى الإقتصاد القومى نتيجة زيادة معدل الإستهلاك  القومى على حساب معدل الإدخار القومى .

ولا شك أن  سياسة الإلحاح الإعلانى التى يمارسها بعض المعلنين تعزز  نظرة الإقتصاد الإشتراكى و الشيوعى للإعلان إلى حد كبير , بينما تعزز سياسات الإعتدال  و التواجد الإعلانى نظرة الإقتصاد الرأسمالى للإعلان على أساس أهمية الإعلان فى تعريف المستهلك بالسلع و الخدمات ولا سيما الجديدة.

وأخيراً ، فإن تمويل الحملات الإعلانية من جانب البنوك يمكن أن يمنح فى إطار الحزمة التمويلية التى تقدم للعملاء ولا يمنح مستقلاً ، لأن التمويل المصرفى الجيد يهدف إلى تمويل المبيعات وزيادتها فى كل من الأجلين القصير والطويل ، لأن المبيعات تمثل المصدر الطبيعى لإيرادات العميل وفى نفس الوقت تشكل المصدر الأولى لسداد الائتمان المصرفى الممنوح من البنوك سداداً صحياً ومنتظماً.


بقلم،، أحمد الألفى، كاتب ومدير بأحد البنوك سابقًا