تعرف على ملاحظات مؤسسة الحق على قرار بقانون الضمان الاجتماعي والأنظمة والتعليمات المكملة له

الثلاثاء 27 نوفمبر 2018 09:57 ص بتوقيت فلسطين

تعرف على ملاحظات مؤسسة الحق على قرار بقانون الضمان الاجتماعي والأنظمة والتعليمات المكملة له

1. الضمان الاجتماعي حقٌ أساسيٌ من حقوق الإنسان، منصوصٌ عليه في المادة الثانية والعشرين من القانون الأساسي المعدل، الذي أكد في المادة العاشرة على أن حقوق الإنسان مُلزمة وواجبة الاحترام. والحق في الضمان الاجتماعي مكفولٌ في المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي انضمت إليه دولة فلسطين بدون تحفظات والتي جاءت بالآتي "تُقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في الضمان الاجتماعي". دولة فلسطين مُلزمة بإنفاذ هذا الحق على المستوى التشريعي والسياساتي وفي الممارسة العملية، وينبغي أن تبين "التقدم المحرز" على هذا الصعيد خلال المناقشة المرتقبة للتقرير الرسمي الخاص بهذا العهد الدولي أمام اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الأمم المتحدة.

2. هنالك ضعف في مأسسة إدارة الضمان الاجتماعي، وغياب للهيكل التنظمي والأنظمة المالية والإدارية اللازمة لعمل مؤسسة الضمان الاجتماعي، التي ينص عليها قرار بقانون الضمان الاجتماعي، ورغم تأكيد القرار بقانون على الاستقلال المالي والإداري الكامل لمؤسسة الضمان الاجتماعي عن الحكومة، ورغم عدم وجود أية صلاحية لرئيس مجلس إدارة الضمان في جميع نصوص القرار بقانون (124 مادة) باستثناء إدارة جلسات مجلس الإدارة، كون النصوص القانونية ركزت على المجلس كمؤسسة متكاملة، إلا أن أداء رئيس مجلس الإدارة على أرض الواقع يسير  في اتجاه مغاير، كونه يخلط بين دوره كوزير للعمل ودوره كرئيس لمجلس إدارة مؤسسة الضمان، ومن بين أمور أخرى، نجد هذا الخلط يظهر في"التعليمات" الصادرة عن مجلس إدارة الضمان الاجتماعي المكملة للقرار بقانون والتي تستند إلى نصوص واردة في القانون الأساسي تتعلق بصلاحية "الوزراء" وتوقيع رئيس مجلس الإدارة عليها خلافاً للقرار بقانون، واستخدام صفة وزير العمل في التوقيع على التعليمات خلافاً للقرار بقانون الذي يشدد بنصوص واضحة على الشخصية القانونية المستقلة والاستقلال الإداري والمالي لمؤسسة الضمان.

3. أخذت تلك الإشكاليات منحى أكثر وضوحاً في الآلية التي جرى فيها اختيار الحافظ (المصرف) لأموال الضمان الاجتماعي، والتوقيع على الاتفاقية مع وزارة الصحة بشأن منافع العناية الطبية (إصابات العمل) دون وجود سياسة وخطة وقائمة مرجعية وشبكة طبية معتمدة من مجلس الإدارة وقبل إقرار مشروع التعليمات الخاصة بمنافع العناية الطبية لسنة 2018 وبالتالي إحالة الاشتراكات الشهرية للمؤمن عليهم في القطاع الخاص والأهلي للخزينة العامة في نهاية المطاف، وتصريحات وزير العمل بشأن إمكانية دمج صناديق الضمان الاجتماعي مع صناديق التقاعد العام خلال سنتين وارتداداتها في الشارع الفلسطيني. كل ذلك يثير العديد من التساؤلات بشأن مدى تدخل وزير العمل (الحكومة) في مؤسسة الضمان الاجتماعي، ومدى الالتزام مبادىء الحوكمة والشفافية التي أكد عليها قرار بقانون الضمان الاجتماعي، ويشير إلى ضعف واضح في مجلس إدارة الضمان كمؤسسة، ويتطلب إعادة هيكلة مجلس إدارة الضمان الاجتماعي، لضمان استقلالية ومأسسة وشفافية الأداء.

4. هنالك حاجة ماسة لإعادة هيكلة مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي في ضوء الإشكاليات التي يعاني منها قرار بقانون الضمان الاجتماعي على هذا الصعيد والإشكاليات التي ظهرت في التجربة العملية على أرض الواقع. إن نص المادة (18) من القرار بقانون الخاص بمجلس الإدارة يحتاج إلى العديد من التعديلات بما يضمن شفافية وفعالية أداء المجلس وتمثيله الحقيقي للمشتركين والمنتفعين من الضمان الاجتماعي. ينبغي عدم إناطة رئاسة مجلس إدارة الضمان الاجتماعي بوزير العمل لأن هذا التوجه يتناقض من حيث المبدأ مع الشخصية الاعتبارية المستقلة والاستقلال الإداري والمالي عن الحكومة التي نص عليها القرار بقانون ولأن التجربة العملية تشير إلى أن رئيس المجلس يتصرف كوزير (حكومة) ويهيمن على المجلس وبالتالي ينبغي أن تكون الحكومة ممثلة بخمسة "أعضاء" في المجلس على قدم المساواة مع ممثلي العمال وأصحاب العمل (ثلاثي أطراف الإنتاج) وأن يتم اختيار رئيس مجلس إدارة الضمان الاجتماعي من بين أعضاء المجلس بالاقتراع بعد تشكيل المجلس. وفي المقابل، يتفرغ وزير العمل لضمان تطبيق قانون العمل وأنظمته على أرض الواقع، وضمان تطبيق الحد الأدنى للأجور كونه يرأس اللجنة الوطنية للأجور وضمان انتظام اجتماعات اللجنة ومراجعة الحد الأدنى للأجور على نحو مستمر، وإنجاز قانون للتنظيم النقابي منسجم بالكامل مع الاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

5. ينبغي توسيع العضوية في مجلس إدارة الضمان، وإشراك شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة والمهنية والاستقلالية في عضوية المجلس؛ بحيث يتم التأكيد على عضويتهم في النص القانوني المذكور واختيارهم من مجلس الإدارة بعد إعادة تشكيله. وينبغي ضمان وجود تمثيل حقيقي وفاعل للمرأة في عضوية مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي. وفقاً للمعايير الدولية والمممارسات الفضلى، فإن توسيع العضوية في مجلس الإدارة يساهم بشكل إيجابي في تعزيز الشفافية والفعالية والتمثيل العادل داخل المجلس. كما وينبغي النص على "شروط العضوية" في مجلس الإداة وعدم الاكتفاء بتسمية الأعضاء من الجهات التمثيلية لهم، فهذا يضمن كفاءة ونزاهة ومهنية الأعضاء في مجلس الإدارة القادم، كما وينبغي التأكيد على أن يكون العضو "منتخباً" من قبل الجهة التمثيلية أي أن يتم انتخابه لعضوية مجلس الإدارة بما يضمن تمثيلاً حقيقياً من أعضاء المجلس للجهات التي يمثلونها ويُستثنى ممثلو الحكومة من الانتخاب بطبيعة الحال ويكتفى باستيفائهم شروط العضوية التي ينبغي أن ينص عليها القرار بقانون. كما وينبغي تعديل آلية تعيين "الخبير المالي الأكاديمي" الذي يسميه مجلس الوزراء بحيث يتولى مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي اختياره وليس الحكومة. وفيما يخص آلية اختيار "نائب الرئيس" فإنه ينبغي تعديلها بالنص عدم جواز أن يكون الرئيس ونائب الرئيس من ذات الجهة التمثيلية، وينبغي أن يتم مراعاة "المداورة" في تولي منصب نائب رئيس المجلس إلى جانب عملية الانتخاب.

6. توجد مشكلة حقيقة في "تمثيل المرأة" في مجلس إدارة الضمان الاجتماعي، هنالك إمرأتان فقط من أصل ثمانية عشر عضواً يشكلون مجلس إدارة الضمان الاجتماعي، وهن عضوات ممثلات للحكومة، وليس هناك أي تمثيل للمرأة من بين الممثلين عن العمال والممثلين عن أصحاب العمل وممثل المنظمات الأهلية وممثل النقابات المهنية، هذا التوجه يتعارض مع التزامات دولة فلسطين بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي انضمت إليها فلسطين بدون تحفظات فيما يخص تمكين المرأة، ويتعارض مع أهداف خطة التنمية المستدامة 2030 وبخاصة الهدف الخامس المتمثل في تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات، ويتطلب اهتماماً من الجهات الممثلة في مجلس الإدارة وتدخلاً تشريعياً يضمن مشاركة فاعلة للمرأة. وهنالك العديد من الأبعاد الجنسانية (الجندرية) التي تم تسليط الضوء عليها في عنوان خاص في هذه الدراسة.

7. التدرج في تطبيق المنافع الخاصة بالتأمينات الاجتماعية، من خلال البدء بتطبيق منفعة الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين وأصابات العمل والأمومة ودخولها حيز النفاذ، ومن ثم باقي المنافع الواردة في القرار بقانون كالتامين الصحي والبطالة والتعويضات العائلية، لا يخالف الاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان وتوجهات منظمة العمل الدولية، ولكن، في المقابل، وبما أن الضمان الاجتماعي هو حقٌ لكل إنسان، وأن هناك فئات مهمشة (جوهر الضمان) ما زالت مستثناة من شمولية التأمينات الاجتماعية، فإنه ينبغي تقديم "استراتيجية وطنية شاملة" تبين تصورات مجلس إدارة الضمان لتنفيذ الحق في الضمان الاجتماعي تنفيذاً كاملاً للمنافع التأمينية كافة، بالشراكة مع المجتمع المدني، انطلاقاً من المعايير الدولية والممارسات الفضلى، بحيث تبين الاستراتيجية المعلنة كيفية، والجداول الزمنية، اللازمة لتمكين جميع الأفراد من حقهم بالضمان.

8. هنالك حاجة ماسة لإعداد "خطة توعية شاملة" للضمان الاجتماعي تستهدف مختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، للتعريف بأهمية الحق في الضمان الاجتماعي، باعتباره مظلة وطنية للحماية الاجتماعية، في وجه المخاطر اليومية التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، ومدى حيوية الضمان الاجتماعي وأهميته القصوى لصحة وحياة الإنسان وتأمين العيش الكريم له ولأسرته، وأهميته في إعادة توزيع الدخل، والحد من مشكلات الفقر والبطالة، وغيرها من الأهداف السامية التي تقوم عليها فكرة الضمان الاجتماعي، التي ينبغي الحفاظ عليها، وأن يتم شرح كل ما يتعلق بالتأمينات الاجتماعية وقطاع العمليات والاستثمار بشكل مفصّل للناس، والإجابة على كافة أسئلتهم واستفساراتهم، والحرص على أن يتم تنفيذ الخطة بالشراكة مع المجتمع المدني، وتوزيع للمهام والمسؤوليات، ووضع آليات وجداول زمنية للتنفيذ، وتقييم مستمر للخطة، وصولاً لتحقيق الأهداف المرجوة.

9. رغم تأكيد القرار بقانون على ضرورة الالتزام بمبادئ الحوكمة والإفصاح والشفافية (المواد 2 و 11) إلاّ أن النصوص التفصيلية الواردة في القرار بقانون تعاني من إشكاليات على هذا الصعيد، ويغدو الأمر أكثر خطورة عندما تغيب تلك المبادئ عن الأنظمة والتعليمات المكملة للقرار بقانون، والتي يُفترض أن توضح وتفصل الآليات والأسس والمعايير والإجراءات التي تكفل وضع تلك المبادئ العامة موضع التطبيق الفعلي بما يضمن أداءً محوكماً وشفافاً بالكامل ورقابة مجتمعية فاعلة على مؤسسة الضمان الاجتماعي. هذا الجانب، شديد الأهمية، لارتباطه المباشر باستمرارية وديمومة الضمان الاجتماعي، يشكل أبرز الإشكاليات التي تحتاج إلى مراجعة وتعديلات تشريعية، وتزداد هذه الإشكاليات خطورة عندما تعمل الأنظمة والتعليمات المكملة لقرار بقانون الضمان الاجتماعي على مخالفة أحكام القانون على مستوى الحوكمة والإفصاح والشفافية واتباعها "نهجاً يقوم على السرية" في إدارة الضمان الاجتماعي على مستوى قطاع العمليات وقطاع الاستثمار، وعلى مستوى الانتقاص من الحقوق الواردة في القرار بقانون على مستوى التأمينات الاجتماعية كما هو الحال في "منحة العمر" وغيرها، الأمر الذي يتطلب إجراء تعديلات جوهرية على الأنظمة والتعليمات المكملة لقرار بقانون الضمان الاجتماعي، وإعداد ما تبقى من أنظمة وتعليمات يتطلبها القرار بقانون، ومناقشتها مع المجتمع المدني بأسرع وقت، وإقرارها بما يضمن شمولية التأمينات الاجتماعية وحوكمة وشفافية إدارة مجلس الإدارة بالكامل. كما وينبغي أيضاً نشر "الدراسة الإكتوارية كاملة" وبالعربية على الموقع الإلكتروني لمؤسسة الضمان الاجتماعي.  

10. تعاني النصوص الواردة بشأن مجلس إدارة الضمان الاجتماعي من أشكاليات كبيرة على صعيد الحوكمة والإفصاح والشفافية، وبخاصة فيما يتعلق بمبدأ الاجتماعات العلنية والمفتوحة لمجلس الإدارة ونشر القرارات الصادرة عن تلك الاجتماعات التي تبدو لغاية الآن سرية، والحال كذلك فيما يتعلق باللجان الدائمة الأربعة بالغة الأهمية، والتي تشكل مطبخ منظومة الضمان الاجتماعي، وهي: لجنة التدقيق، ولجنة الاستثمارات، ولجنة المخاطر، ولجنة الحكم الرشيد. النصوص الواردة على هذا الصعيد تجعل كل ما يتعلق بالأنشطة والتقارير الصادرة عن تلك اللجان محصورة بينها وبين الدوائر المختصة في مؤسسة الضمان ومجلس إدارته، وفي بعض الأحيان يتم رفعها إلى مجلس الوزراء (السلطة التنفيذية) والمجلس التشريعي (المعطل) كما هو الحال في التقارير الربعية الخاصة بالأداء الاستثماري والسياسات والمعايير الاستثمارية، ولا توجد نصوص تؤكد على وجوب نشر جميع التقارير التي نص عليها القرار بقانون انطلاقاً من مبادىء الحوكمة والإفصاح والشفافية في الأداء.

11. هنالك حاجة ماسة لإجراء تعديلات قانونية جوهرية بهدف ضمان حوكمة وشفافية "قطاع الاستثمار" الحيوي في الضمان الاجتماعي بالكامل، وبخاصة لجنة الاستثمار، ودائرة الاستثمار التي تتولى مسؤولية إدارة المحافظ الاستثمارية داخل مؤسسة الضمان، بالنص على وجوب نشر السياسات والخطط الاستثمارية لضمان الرقابة المجتمعية عليها والتزامها بالتشريعات وبالسياسة الاستثمارية لمؤسسة الضمان المعتمدة من مجلس الإدارة. ويجب تحديد "نسبة الأموال التي يجوز الاستثمار فيها" من أموال الصنايق بنص واضح في القرار بقانون، والأموال التي لا يجوز أن تدخل في المجال الاستثماري؛ للحفاظ على استمرارية الصناديق وعدم تعريضها للمخاطر الاستثمارية، انطلاقاً من قواعد العناية الفائقة والممارسات الفضلى في المجال الاستثماري، وينبغي تحديد نسبة الاستثمارات الخارجية من حجم الاستثمارات الداخلية التي ينبغي أن تشكل الأساس (الاستثمار الداخلي) والتركيز على تنوع المحافظ الاستثمارية وضمان التوزيع الجغرافي العادل (الضفة الغربية وقطاع غزة) للاستثمارات والاهتمام دوماً بقواعد العناية الفائقة والممارسات الفضلى في المجال الاستثماري، بهدف تعزيز أهداف الضمان الاجتماعي التي من بينها دعم الاقتصاد الوطني بالتركيز على الاستثمار الداخلي بما يساهم بشكل فعال في التشغيل وإعادة التوزيع العادل للدخل وخلق فرص العمل والحد من مشكلات الفقر والبطالة.

12. ينبغي على مجلس مؤسسة الضمان الاجتماعي مناقشة وإقرار "الأنظمة الداخلية اللازمة لعمل دائرة الاستثمار" و"النظام الخاص بإدارة استثمارات المؤسسة" بالشراكة مع المجتمع المدني، ووجوب نشر الأنظمة مباشرة بعد اعتمادها من مجلس الإدارة، وكذلك الحال بشأن وجوب نشر "الموازنة الاستثمارية السنوية" بعد إقرارها من مجلس الإدارة والتي ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار التدفقات النقدية لمؤسسة الضمان الاجتماعي إلى جانب نشر "الموازنة الاستثمارية السنوية" و "الخطة السنوية للاستثمار" و"التقرير الاستثماري السنوي"و"العقود المبرمة مع الشركات الاستثمارية"و"التقارير الربعية عن الأداء والأنشطة الاستثمارية"و"أسس ومعايير اختيار مدراء الاستثمار والحافظ". وبذلك يتم ضمان خضوع كل ما يتعلق باستثمارات مؤسسة الضمان الاجتماعي للرقابة المجتمعية الفاعلة، على قطاع الاستثمار الحيوي، وفق مبادىء الحوكمة والنزاهة والشفافية في الأداء.   

13. هنالك مطالبات شعبية واسعة بتعديل نسب الاشتراكات (9% صاحب العمل مقابل 7% العامل) ومعامل الاحتساب (2%) لانحيازها بشكل كبير لأصحاب العمل على حساب الطرف الضعيف في علاقات العمل وهم العمال، وتحقيقاً للعدالة والإنصاف. بحيث يتحمل صاحب العمل (ثلثي الاشتراك) فيما يتحمل العامل (الثلث الباقي) أو نسبة قريبة منه، ويتم احتساب معامل الاحتساب بنسبة (2.5%) وتعميمه على المنافع التأمينية. التعديل المقترح لا يمس بالدراسة الاكتوارية طالما بقيت نسبة مجموع الاشتراكات الشهرية التي يتم اقتطاعها لصالح منفعة تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين (16%) التي نص عليها القرار بقانون، وهذا ما أوضحته الدراسة بالاستناد إلى العديد من قوانين الضمان أو التأمينات الاجتماعية في الدول ومن بينها قانون الضمان الاجتماعي الأردني لسنة 2014 وقانون الضمان الاجتماعي التونسي لسنة 1960 وتعديلاته وقانون التأمينات الاجتماعية الكويتي لسنة 1976 وتعديلاته وقانون التأمينات الاجتماعية المصري لسنة 1975 وتعديلاته وقانون التأمينات الاجتماعية اليمني لسنة 1991 وتعديلاته وقانون التأمينات الاجتماعية الفلسطيني لعام 2003 الذي جرى إلغاؤه عام 2007 وكذلك قانون التأمين الوطني الإسرائيلي لعام 1953 وتعديلاته.

14. إن فشل تجارب الضمان الاجتماعي في بعض الدول المقارنة يرجع بشكل أساسي وحاسم إلى غياب مبادىء الحوكمة والشفافية والإفصاح وتضارب المصالح والفساد ما أدى إلى انتكاسات خطيرة في صناديق الضمان أو التأمينات الاجتماعية. إن اجراء التعديلات المطلوبة على القرار بقانون وأنظمته وتعليماته التي أشارت لها الدراسة، وضمان حوكمة مؤسسة الضمان الاجتماعي، واتباع نهج الإفصاح والشفافية والمساءلة في كل ما يتعلق بالتأمينات الاجتماعية وقطاعي العمليات والاستثمار، بما يكفل رقابة مجتمعية فاعلة على مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية واللجان الدائمة في مؤسسة الضمان الاجتماعي، وإعادة هيكلة مجلس إدارة الضمان، ومراعاة الأبعاد الجنسانية في قرار بقانون الضمان الاجتماعي، وعدالة النِسَب ومعامل الاحتساب الواردة في القرار بقانون أسوة بالدول المقارنة والممارسات الفضلى، من شأنها أن تساهم في بناء وتعزيز الثقة بأداء مؤسسة الضمان، وفي استمرارية المؤسسة، وصولاً إلى منظومة حماية اجتماعية عادلة وشاملة وفعالة طال انتظارها.

 

مقدمة

15. صدر قرار بقانون الضمان الاجتماعي رقم (19) لسنة 2016 بتاريخ 29/9/2016 ونشر في الجريدة الرسمية في عدد ممتاز (13) بتاريخ 20/10/2016، ودخل حيز النفاذ بعد ثلاثين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية أي بتاريخ 20/11/2016. مجلس إدارة الضمان الاجتماعي مسؤولٌ قانوناً عن تنفيذ التأمينات الواردة في القرار بقانون (الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين وإصابات العمل والأمومة) خلال مدة لا تزيد على أربعة وعشرين شهراً من تاريخ سريان هذا القرار بقانون (مادة 3 فقرة 2) أي في موعد زمني أقصاه 20/11/2018. وبموجب التعليمات رقم (1) لسنة 2018 الصادرة عن مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي فإن المؤسسة تبدأ في احتساب وجمع الاشتراكات عن أجور الفئات المشمولة بالقرار بقانون اعتباراً من تاريخ 1/11/2018 على أن يتم توريد الاشتراكات لمؤسسة الضمان الاجتماعي خلال الخمسة عشر يوماً الأولى من الشهر التالي للاستحقاق.

16. جرت احتجاجات كبيرة على تنفيذ قرار بقانون الضمان الاجتماعي، والمطالب تراوحت بين إجراء تعديلات عليه تؤمن ضماناً اجتماعياً عادلاً وشفافاً، وإلغاء القرار بقانون، وكلٌ له أسبابه ومبرراته، وهذا يرجع إلى عوامل عديدة تمثلت، من بين أمور أخرى، في غياب التوعية والتثقيف بالحق في الضمان وأهميته في الحماية الاجتماعية وبخاصة خلال فترة السنتين ما بين نشر القرار بقانون في الجريدة الرسمية عام 2016 وبدء تطبيقه عام 2018، وأزمة الثقة الكبيرة بين السلطة التنفيذية والشارع الفلسطيني عززتها حداثة التجربة وطبيعة الضمان الاجتماعي القائم على فكرة الاشتراكات الشهرية التي يتم اقتطاعها من رواتب العاملات والعمال والموظفات والموظفين في القطاع الخاص والأهلي للاستفادة من المنافع التأمينية، وبين هذا وذاك، هنالك لاعبون رئيسيون في القطاع الخاص ممن يرفضون تطبيق الضمان الاجتماعي لاعتبارات عديدة من بينها تأثيره المالي عليهم وبخاصة فيما يتعلق بتسويات مكافأة نهاية الخدمة وتأمينات العجز والأمومة والحد الأدنى للأجور في ظل وجود عشرات الآلاف من العمال والموظفين الذي لا يتمتعون بتلك الحقوق لغاية الآن، وهنالك أسباب أخرى زادت من منسوب القلق والعلاقة المتوترة بين مؤسسة الضمان الاجتماعي والشارع الفلسطيني تتعلق بطبيعة دور الحكومة في معادلة الضمان الاجتماعي الذي ينص القرار بقانون على استقلالية مجلس إدارته، والأسئلة المثارة بشأن باتفاقية الحافظ (المصرف) لأموال الضمان الاجتماعي ومن ثم الاتفاقية التي أبرمت مع وزارة الصحة ومن ثم تصريحات رئيس مجلس الإدارة بإمكانية دمج صناديق الضمان مع صناديق التقاعد العام خلال مدة سنتين الأمر الذي أثار عشرات الأسئلة التي تتعلق بأداء إدارة الضمان ومستقبل الضمان الاجتماعي.

17. إثر الاحتجاجات السلمية على القرار بقانون، أكد الرئيس الفلسطيني ورئيس مجلس الوزراء على أهمية الضمان الاجتماعي ودوره في الحماية الاجتماعية، والانفتاح على ملاحظات المجتمع المدني بمختلف شرائحه لتعديل قرار بقانون الضمان الاجتماعي بما يحقق أهدافه وغاياته، وشدد رئيس الوزراء في بيان الحكومة الصادر عقب اجتماع مجلس الوزراء في جلسته رقم (227) بتاريخ 6/11/2018 على أن "الحكومة جادة في التوصل إلى توافق بشأن قانون الضمان الاجتماعي، وأعلن عن انطلاق الحوار مع جميع الأطراف ذات العلاقة بقانون الضمان الاجتماعي، وأن اللجنة المشكلة للحوار ستجتمع بجميع القطاعات والشرائح والاتحادات والنقابات التي تمثل العمال وأصحاب العمل وكافة ذوي العلاقة، للخروج بأفضل نسخة من قانون الضمان الاجتماعي". وأعلن مجلس الوزراء في الجلسة المذكورة عن جدول زمني تدريجي لانضمام الشركات إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي.

18. إعلان السلطة التنفيذية استعدادها لإجراء التعديلات المطلوبة على قرار بقانون الضمان الاجتماعي وبالتالي الأنظمة والتعليمات المكملة له توجه إيجابي وهام على طريق الوصول إلى منظومة ضمان اجتماعي شاملة وعادلة وشفافة. ولكن، في المقابل، فإن إداء الحكومة الذي تمثل في التطبيق الزمني المرحلي لقرار بقانون الضمان الاجتماعي خالف أحكام القرار بقانون الذي وضع موعداً زمنياً محدداً لتطبيقه على كافة المخاطبين بأحكام هذا القرار بقانون، كما أن تشكيل لجنة وزارية للحوار مع جميع أطراف ذات العلاقة يمكن أن يُفسَّر على أنه تدخل من الحكومة في الضمان الاجتماعي خلافاً لأحكام القرار بقانون، وبخاصة أن الحكومة ممثلة في مجلس إدارة الضمان الاجتماعي باعتبارها من ثلاثي أطراف الإنتاج، ما يعني أن الحوار ينبغي أن يتم الإعلان عنه وأن يجري من قبل مجلس إدارة الضمان الاجتماعي مع الأطراف ذات العلاقة بما يعزز من دوره واستقلاليته، وما يتم إنجازه بمخرجات الحوار يتم ترجمته بتعديلات تشريعية على القرار بقانون من قبل السلطة التنفيذية.

19. يتكون قرار بقانون الضمان الاجتماعي من (124) مادة موزعين على اثني عشرة فصلاً، وهو مقتبسٌ عن قانون الضمان الاجتماعي الأردني رقم (1) لسنة 2014 المنشور في الجريدة الرسمية الأردنية عدد (5267) بتاريخ 29/1/2014. وقد عالجت فصول التشريع الفلسطيني على التوالي: التعاريف والأهداف، نطاق تطبيق القرار بقانون وأحكام التغطية التأمينية، إنشاء مؤسسة الضمان الاجتماعي، الاستثمارات، الاشتراكات التأمينية، تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين، تأمين إصابات العمل، تأمين الأمومة، الأحكام العامة، الأحكام الانتقالية، والأحكام الختامية. وقد ألغى هذا القرار بقانون قرار بقانون الضمان الاجتماعي رقم (6) لسنة 2016.

20. تهدف هذه الورقة إلى بيان أهمية الضمان الاجتماعي باعتباره حقٌ أساسيٌ من حقوق الإنسان مكفولٌ في القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين بدون تحفظات، وإبداء الملاحظات على القرار بقانون، والأنظمة والتعليمات المكملة له، بهدف تعزيز دوره في مجال الحماية الاجتماعية، وضمان حوكمة وفعالية مؤسسة الضمان الاجتماعي على مستوى مجلس الإدارة واجتماعاته والإدارة التنفيذية واللجان الدائمة (لجنة التدقيق الداخلي، لجنة الاستثمار، لجنة المخاطر، لجنة الحكم الرشيد) وقطاعي العمليات والاستثمارات وصولاً إلى مظلة وطنية للحماية الاجتماعية عادلة وشفافة وفعالة وشاملة.

21. هنالك مسؤولية ينبغي أن يضطلع بها مجلس إدارة مؤسسة الضمان وإدارته التنفيذية، لم تكن موضع اهتمام خلال فترة السنتين الواقعة ما بين نشر قرار بقانون الضمان الاجتماعي ونفاذه (20/11/2016) وبين بدء مسؤولية المجلس عن تنفيذ التأمينات الواردة في القرار بقانون (1/11/2018). هذه المسؤولية تبدأ باحترام حق المواطنين كافة في ابداء الملاحظات والاعتراضات على قرار بقانون الضمان الاجتماعي وأداء مؤسسة الضمان والاهتمام بارائهم وملاحظاتهم، والابتعاد عن الأداء الارتجالي، وتركيز الجهود باتجاه إعداد "خطة توعية شاملة" للتعريف بأهمية الضمان ودوره في الحماية الاجتماعية وشرح مفصل لكل ما يتعلق بقطاع العمليات وقطاع الاستثمار باعتبارهما القطاعين الرئيسيين اللذين تديرهما مؤسسة الضمان الاجتماعي، وتنفيذها بالشراكة مع المجتمع المدني، وتوزيع للمهام والمسؤوليات، وآليات وجداول زمنية للتنفيذ، وتقييم مستمر للخطة.

22. هنالك تأييد كبير في الشارع الفلسطيني لتعديل نسب الاشتراكات الخاصة بتقاعد العجز والشيخوخة والوفاة الطبيعيين ومعامل الاحتساب، وبمراجعة تشريعات الدول في مجال الضمان الاجتماعي أو التأمينات الاجتماعية يتضح بأن قرار بقانون الضمان الاجتماعي الفلسطيني هو التشريع الأكثر انحيازاً لصالح رب العمل والأكثر إجحافاً بحق العامل بين جميع تلك التشريعات فيما يتعلق بنسب الاشتراكات ومعامل الاحتساب؛ بما يتطلب مراجعتها وإجراء تعديلات عليها تحقق قواعد العدالة والإنصاف، وهذا التعديل لا يخل بمخرجات الدراسة الاكتوارية للضمان الاجتماعي طالما بقي التعديل داخل نسبة (16%) التي نص عليها القرار بقانون والتي سيتم اقتطاعها من العامل وصاحب العمل لصالح منافع تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين.

23. هنالك تأييد كبير في الشارع الفلسطيني للاسراع في إعداد مشاريع الأنظمة والتعليمات المكملة لقرار بقانون الضمان الاجتماعي، وبخاصة أن العديد من النصوص الواردة في القرار بقانون تحيل إلى أنظمة وتعليمات ستصدر بشاتها، وبذلك تغدو تلك الأنظمة والتعليمات بالغة الأهمية في توضيح وتفصيل أحكامه سواء على صعيد قطاع العمليات (التأمينات الاجتماعية) أو على صعيد قطاع الاستثمار الحيوي. ولأن التجارب العملية للعديد من الدول في مجال الضمان أو التأمينات الاجتماعية أثبتت بوضوح أن الخسائر الفادحة التي تكبدتها الصناديق المالية للضمان الاجتماعي نتجت بشكل رئيس عن سوء إدارة الضمان وغياب الحوكمة والشفافية والرقابة المجتمعية على إدارة الضمان، ينبغي أن تلعب الأنظمة والتعليمات المكملة للقرار بقانون دوراً شديد الأهمية في حوكمة مؤسسة الضمان وتعزيز الشفافية والإفصاح وتعزيز الرقابة المجتمعية على الأداء. وينبغي أن لا يتم تجاهل دور المجتمع المدني والأطراف ذات العلاقة في مناقشتها وإبداء الرأي بشأنها قبل عملية إقرارها.

24. نأمل أن تشكل هذه الورقة، التي تضمنت أبرز الملاحظات على قرار بقانون الضمان الاجتماعي رقم (19) لسنة 2016 وعلى الأنظمة والتعليمات المكملة له أرضية صالحة لحوار مجتمعي مؤمن بفكرة الضمان الاجتماعي كحق من حقوق الإنسان، وصولاً إلى توافق مجتمعي على تعديلات واضحة المعالم وعرضها على جهات الاختصاص لإجراء التعديلات اللازمة على القرار بقانون والأنظمة واللوائح المكملة له بأسرع وقت ممكن، ونأمل أن تساهم تلك المقترحات بجعل منظومة الضمان الاجتماعي أكثر عدالة وأداء مؤسسة الضمان أكثر شفافية.  ‘

ثانياً: أهمية الحق في الضمان الاجتماعي

25. تشكل منظومة الضمان الاجتماعية مظلة وطنية للحماية الاجتماعية، وتقوم على فكرة التضامن الاجتماعي في وجه المخاطر الاجتماعية التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية (عجز، إصابة عمل، وفاة ...) من خلال التأمينات الاجتماعية. وتعود جذور الضمان الاجتماعي إلى مرحلة الثورة الصناعية، وغياب نظام للحماية الاجتماعية في مواجة المخاطر آنذاك، وبذلك فإن فكرة الضمان تهتم بصحة وحياة الإنسان وعائلته، وتقوم على مبدأ المساواة في مواجهة المخاطر، وتلعب دوراً بارزاً في الحماية والعدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الدخل، والتقليل من نسب الفقر والبطالة، وتقع ضمن أبرز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان.

26. الضمان أو التأمينات الاجتماعية حقٌ أساسيٌ من حقوق الإنسان، مكفول في القانون الأساسي المعدل، وهذا ما أكدت عليه المادة (22) فقرة (1) من القانون الأساسي والتي نصت على أن "ينظم القانون خدمات التأمين الاجتماعي والصحي ومعاشات العجز والشيخوحة". ونصت المادة (10) فقرة (1) من القانون الأساسي على أن "حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام". وحيث أن المشرّع الدستوري يؤكد بالنص الصريح على أن حقوق الإنسان "مُلزمة وواجبة الاحترام" وحيث أن الحق في الضمان الاجتماعي يقع ضمن الحقوق الدستورية الواردة في القانون الأساسي، فإن القول بأن الضمان الاجتماعي "اختياري" مخالفٌ للقانون.

27. أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (بمثابة دستور حقوق الإنسان) على الحق في الضمان الاجتماعي في المادة العاشرة والتي جاءت على النحو التالي "لكل إنسان، بوصفه عضواً في المجتمع، حقٌ في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن تُوفر له، من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولنمو شخصيته بحرية".

28. نصت المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الحق في الضمان الاجتماعي؛ باعتباره حق أساسي من حقوق الإنسان، وقد أكد النص المذكور على أن "تُقر الدول الاطراف في هذا العهد بحق كل شخص في الضمان الاجتماعي بما في ذلك التأمينات الاجتماعية". وحيث أن دولة فلسطين قد انضمت إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بتاريخ 2/4/2014 وحيث أحكام هذا العهد الدولي قد دخلت حيز النفاذ على الأرض الفلسطينية اعتباراً من 2/7/2014 فإن عدم قيام دولة فلسطين بتمكين الأفراد من حقهم في الضمان الاجتماعي من خلال إنفاذ هذا الحق على المستوى التشريعي والمستوى السياسياتي وفي التطبيق العملي على الأرض يعني أن دولة فلسطين قد أخلت بالتزاماتها الدولية فيما يتعلق بالحق في الضمان الاجتماعي بموجب الاتفاقيات الدولية التي انضمت لها. ينبغي على دولة فلسطين أن تقدم "إجابات واضحة" بشأن الحق في الضمان الاجتماعي للجنة الدولية في الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي اللجنة التي تراقب مدى التزام الدول الأطراف بالحقوق الواردة في هذا العهد الدولي، ومن بينها الحق في الضمان الاجتماعي، أي أن على دولة فلسطين أن تبين التقدم الذي أحرزته على مستوى إقرار التشريعات والسياسات المتعلقة بالضمان الاجتماعي والتنفيذ على الأرض خلال مناقشة تقريرها الرسمي الخاص بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية أمام اللجنة الدولية المعنية بتلك الحقوق في جنيف، لضمان تمتع الأفراد بحقهم الأصيل في الضمان الاجتماعي.

29. أكدت اللجنة المعنية بالحقوق الإقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة في التعليق العام رقم (19) على المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالضمان الاجتماعي (التعليق العام هو تفسير اللجنة للنص) الذي اعتمده المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة بموجب الوثيقة رقم (E/C.12/GC/2008) على أن الحق في الضمان الاجتماعي يحظى بأهمية مركزية في ضمان الكرامة الإنسانية لجميع الأشخاص (فقرة 1) وأن الضمان الاجتماعي من خلال طابعه المتمثل في إعادة توزيع الدخل يضطلع بدور هام في الحد من الفقر والتخفيف من آثاره ومنع الإقصاء الاجتماعي وتعزيز الإدماج الاجتماعي (فقرة 3) وأنه يتوجب على الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تتخذ تدابير فعّالة، وبأقصى ما تسمح به مواردها، من أجل إعمال جق جميع الأشخاص في الضمان الاجتماعي، دون أي تمييز، وأن تخضع تلك التدابير للمراجعة المستمرة (فقرة 4). وشددت اللجنة الدولية على أن الحق في الضمان الاجتماعي هو "حقٌ أساسيٌ من حقوق الإنسان ووسيلة لإيجاد التلاحم الاجتماعي" (فقرة 6).

ثالثاً: مؤسسة الضمان تدير التأمينات الاجتماعية والحكومة تضمن عجز الصناديق

 30. مؤسسة الضمان الاجتماعي، هي الجهة المخولة بإدارة التأمينات الاجتماعية المنصوص عليها في قرار بقانون الضمان الاجتماعي، وليس الحكومة، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري عن الحكومة وبالأهلية القانونية الكاملة لمباشرة الأعمال والتصرفات لتحقيق الأهداف التي نشأت من أجلها (مادة 8). 

31. يتكون مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي من (18) عضواً برئاسة وزير العمل؛ خمسة ممثلين بمن فيهم الوزير من الحكومة وهم ممثل عن وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد الوطني ووزارة العمل، وخمسة ممثلين عن العمال، وخمسة ممثلين عن أصحاب العمل، وممثل عن النقابات المهنية، وممثل عن المنظمات الأهلية، وخبير مالي أكاديمي يسميه مجلس الوزراء (مادة 18). ينبغي عدم الخلط بين دور مجلس إدارة الضمان باعتباره الجهة المسؤولة "مسؤولية فردية وتضامنية" عن تنفيذ قرار بقانون الضمان الاجتماعي وعن أيّ قرار يتم اتخاذه على هذا الصعيد (مادة 19) وبين وجود تمثيل للحكومة في مجلس إدارة الضمان، باعتبارها من ثلاثي أطراف الإنتاج، تمثيل الحكومة، لا يعني، ولا ينبغي أن يعني، أنها تدير الضمان. والقول بغير ذلك من شأنه أن يؤدي إلى "تضارب المصالح" على حساب مصلحة المؤمن عليهم/ن المنتفعين/ات من الضمان.

32. تدخل الحكومة في الضمان الاجتماعي، باعتبارها السلطة التنفيذية، ينحصر في مسارين: المسار الأول إصدار الأنظمة والقرارات اللازمة لتنفيذ أحكام قرار بقانون الضمان الاجتماعي، بناءً على تنسيب من مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي (مادة 121)،ـ أي بمعنى أن مجلس إدارة الضمان هو من يعد مشاريع الأنظمة والقرارات ومن ثم يرفعها إلى مجلس الوزراء لاعتمادها، والتنسيب "إجراء جوهري" في القانون وبالتالي فإن الحكومة لا تستطيع إقرار تلك الأنظمة أو القرارات ابتداءً وإنما ينبغي أن تُرفع لها من خلال مؤسسة الضمان لاعتمادها. ومنح القرار بقانون مجلس الإدارة منفرداً صلاحية إصدار التعليمات اللازمة لتنفيذ هذا القرار بقانون. إن تلك الأنظمة والتعليمات تلعب دوراً بارزاً في توضيح أحكامه وضمان شفافية وفعالية وحوكمة أداء مجلس إدارة الضمان الاجتماعي ولجانه الدائمة الأربعة، ولذلك سيتم إبداء الملاحظات عليها في هذه الدراسة.

33. المسار الثاني لتدخل الحكومة في الضمان الاجتماعي يتمثل في كونها الضامن النهائي لتطبيق أحكام قرار بقانون الضمان الاجتماعي واستمرارية عمل مؤسسة الضمان (مادة 2) وتقع صناديق التأمينات الاجتماعية ضمن أحكام هذا القرار بقانون (مادة 16) وهي تتشكل من أربعة صناديق مالية تدار بشكل منفصل (صندوق تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين، صندوق تأمين إصابات العمل، صندوق تأمين الأمومة، والصندوق التكميلي الإختياري) ولا يجوز قانوناً إجراء تحويلات مالية تبادلية بين تلك الصناديق (مادة 16 فقرة 3). إن المسار الثاني لدور الحكومة يتمثل في ضمان الصناديق التأمينات حال تبين وجود عجز مالي بعد فحص المركز المالي للصناديق من قبل مؤسسة الضمان، التدخل والحالة تلك يتم في مسارين: الأول يتوجب على الحكومة أن تقدم القروض لمؤسسة الضمان لسداد هذا العجز المالي ويعتبر ما تدفعه الحكومة ديناً على مؤسسة الضمان الاجتماعي تلتزم المؤسسة بتسديده من أي فائض يتوفر لديها في السنوات المقبلة دون تحديد مدة زمنية للسداد (مادة 29 فقرة 6) والمسار الثاني تقوم الحكومة بتدخل على المستوى التشريعي إذا تبين نتيجة الفحص المالي للصناديق الذي يتوجب أن يجري مرة واحدة على الأقل كل ثلاث سنوات أن موجودات المؤسسة كما جرى تقديرها في السنة العاشرة من تاريخ إجراء التقييم سوف تقل عن عشرة أضعاف نفقاتها فتتدخل الحكومة تشريعياً بناءً على تنسيب من مجلس الإدارة لتصويب المركز المالي لمؤسسة الضمان (مادة 29 فقرة 4).

34. قانون التامينات الاجتماعية الفلسطيني رقم (3) لسنة 2003 الذي ألغاه الرئيس عام 2007 كان ينص على التزام الحكومة بتقديم "الإعانات المالية" لصناديق الضمان انطلاقاً من مسؤولية الحكومة في تعزيز الحماية الاجتماعية وضمان استمراريتها، هذا الدعم المالي الذي يقع على عاتق الحكومة متبعٌ في عدد من تجارب الدول، وهنالك حاجة لتدخل تشريعي على هذا الصعيد في قرار بقانون الضمان الاجتماعي. والمشكلة تكمن في أن السلطة التنفيذية لم تكتفِ فقط بحذف هذا الدور الحيوي الداعم للحماية الاجتماعية في قرار بقانون الضمان الاجتماعي، بل إن الاتفاقية التي جرى توقيعها بين مؤسسة الضمان الاجتماعي ووزارة الصحة جعلت الحكومة "تأخذ من الضمان الاجتماعي ولا تُعطيه" كون إيرادات الاشتراكات الشهرية للتأمين الخاص بإصابات العمل (1.6% من أجر العامل) ستذهب في نهاية المطاف للخزينة العامة من خلال وزارة الصحة وفقاً للاتفاقية.

35. لا يجوز قانوناً للحكومة أو أي جهة أخرى أن يقترضوا من الصناديق المالية للتأمينات الاجتماعية التي تديرها مؤسسة الضمان، ويحظر على المؤسسة أن تقوم بأي عملية إقراض من الصناديق التي تديرها. حيث أكدت المادة (16) من القرار بقانون على أن يُدار كل صندوق من صناديق التأمينات الاجتماعية بشكل منفصل، ولا يجوز إجراء تحويلات مالية بين الصناديق، ويحظر استخدام أموال الصناديق في الإقراض لأيّ جهة كانت.

رابعاً: الأبعاد الجنسانية (الجندرية) في قرار بقانون الضمان الاجتماعي

36. هنالك مشكلة حقيقة في "تمثيل المرأة" في مجلس إدارة الضمان الاجتماعي، هنالك امرأتان فقط من أصل ثمانية عشر عضواً يشكلون مجلس إدارة الضمان الاجتماعي، وهن عضوات ممثلات للحكومة، من الغريب حقاً أن لا يكون هناك أي تمثيل للمرأة من بين الممثلين عن العمال والممثلين عن أصحاب العمل وممثل المنظمات الأهلية وممثل النقابات المهنية، هذا التوجه يتعارض مع التزامات دولة فلسطين بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي انضمت إليها فلسطين فيما يخص تمكين المرأة، ومع أهداف خطة التنمية المستدامة 2030 وبخاصة الهدف الخامس المتمثل في تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات، ينبغي إجراء تعديل على المادة (18) من القرار بقانون المتعلقة بتشكيل مجلس إدارة الضمان بما يضمن تمثيلاً فاعلاً للمرأة الفلسطينية في مجلس الإدارة، وينبغي على الجهات الممثلة في مجلس إدارة الضمان أن تأخذ الأبعاد الجنسانية بعين الاعتبار في عضوية مجلس إدارة الضمان وأنشطته كافة. وينبغي التأكيد على أن توسيع العضوية والتمثيل في مجلس الإدارة يساهم بشكل إيجابي في شفافية أدائه ويعزز الثقة بقراراته.

37. تنص المادة (70) من القرار بقانون على ما يلي "1. يوقف صرف راتب الوفاة الطبيعية لأي من الورثة المستحقين المنصوص عليهم في المادة (65) من هذا القرار بقانون في حال التحاق أي منهم بعلاقة عمل منتظمة وفقاً لأحكام المادة (6) من هذا القرار بقانون 2. يوقف صرف راتب الوفاة الطبيعية للأرملة والبنت غير المتزوجة في حال الزواج". هذا النص أثار جدلاً في الشارع الفلسطيني تحت عنوان "ميراث الأرملة" وحرمانها منه، النص لا يتحدث عن الأرملة وإنما عن "الورثة المستحقين" سواءً أكانت الأرملة أَم الوالدين أَم أبناء المتوفى بحيث يوقف صرف راتب مَن التحق منهم  بعلاقة عمل منتظمة فقط، ويستمر راتب الوفاة لباقي الورثة المستحقين، والسبب في ذلك أن التحاق أي من الورثة المستحقين بعلاقة عمل منتظمة يعني إنه سيتم توريد اشتراكاته شهرية إلى مؤسسة الضمان (المادة 6) وبالتالي سيستفيد من المنافع التأمينية المنصوص عليها في قرار بقانون الضمان.

38. ومع ذلك، نرى أهمية إجراء تعديل على نص يسمح المادة (70) أعلاه من القرار بقانون بحيث يستمر صرف راتب الوفاة الطبيعية للأرملة في تلك الحالة بالاستناد إلى المادة (4) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سيداو (التدابير الخاصة) وكذلك أسوة بالمادة (84) من قانون الضمان الاجتماعي الأردني لعام 2001 والتي تسمح باستمرار صرف راتب الوفاة الطبيعية للأرملة والأرمل في تلك الأحوال، حيث أكد النص المذكور الوارد في قانون الضمان الاجتماعي الأردني على ما يلي "1. يحق للأرملة الجمع بين راتبها التقاعدي أو راتبها بسبب الاعتلال أو أجرها من العمل ونصيبها من راتب التقاعد أو راتب الاعتلال الذي يؤول إليها من زوجها وتسري أحكام هذا البند على الأرملة المستحقة لنصيبها قبل سريان أحكام هذا القانون وذلك اعتباراٍ من تاريخ نفاذه 2. يحق للأرملة الجمع بين نصيبها من راتب التقاعد أو راتب الاعتلال الذي يؤول إليها من زوجها ونصيبها من رواتب التقاعد أو رواتب الاعتلال التي تؤول إليها من والديها وأبنائها 3. يحق للأرمل الجمع بين نصيبه من راتب التقاعد أو راتب الاعتلال الذي يؤول إليه من زوجته ونصيبه من راتب التقاعد أو راتب الاعتلال الذي يؤول إليه من أبنائه". نرى أهمية تبني هذا التوجه في قرار بقانون الضمان الاجتماعي الفلسطيني لما له من أهمية في تأمين حياة كريمة للأرملة والأرمل. وهذا ما سار عليه أيضاً قانون التأمينات الاجتماعية الكويتي لسنة 1976 وتعديلاته حيث أكدت المادة (71) من التشريع الكويتي المذكور على ما يلي "يوقف صرف النصيب من المعاش في حالة التحاق المستحق للمعاش بالعمل، ويستثنى من ذلك أرملة المؤمن عليه أو صاحب المعاش".

39. ضرورة استبدال مصطلح "الوفاة الطبيعية" أينما ورد في القرار بقانون "بالوفاة" وتعريف الوفاة في المادة الأولى بأن المقصود بها "الوفاة غير الناتجة عن إصابة العمل" وما يخرج عن التعريف يندرج ضمن إصابات العمل التي أدت للوفاة ويقع ضمن تأمين إصابات العمل. لأن هدف المنفعة التأمينية في حالة الوفاة، بغض النظر عن سببها، يتمثل في الحماية الاجتماعية لأرملة وأبناء المتوفى. وبذلك تشمل التغطية التأمينية الشهيدات والشهداء المشتركين/ات بالضمان الاجتماعي. وفي حال كانت الوفاة ناتجة عن فعل الغير  بإمكان مؤسسة ضمان أن ترجع عليه بعد أن يتم تغطية الورثة المستحقين بالمنفعة التأمينية. واستخدام مفهوم الوفاة بدلاً من الوفاة الطبيعية وارد في تشريعات الدول من قبيل قانون التأمينات الاجتماعية الكويتي لسنة 1976 وتعديلاته.

40. تنص المادة (70) فقرة (2) من القرار بقانون على أن "يوقف صرف راتب الوفاة الطبيعية للأرملة والبنت غير المتزوجة في حال الزواج". ينطوي هذا النص على تمييز ضد المرأة، وبذلك يخالف اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي انضمت إليها دولة فلسطين، كون هذا النص ينتقص من الشخصية القانونية للمرأة، والذمة المالية المستقلة لها عن الرجل، ويمس بكرامتها الإنسانية، لأنه ينطلق من فرضية أن الأرملة كوارثة عندما تتزوج يتوقف صرف حصتها من الراتب التقاعدي لزوجها المتوفى كونها أصبحت مُعالة من زوجها بعد أن تزوجت، والحال كذلك بالنسبة للبنت فقد أصبحت مُعالة من زوجها بعد أن تزوجت. وبالتالي، ينبغي أن يكون المعيار


رام الله / الاقتصادية