التمويل القطري وتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية والامنية

الأربعاء 13 مارس 2019 07:43 م بتوقيت فلسطين

التمويل القطري وتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية والامنية

كشفت صحيفة هآرتس قبل اسابيع مضت بأن قطر حولت إلى قطاع غزة منذ عام 2012 قرابة مليار دولار بموافقة إسرائيل، منها 200 مليون دولار في 2018، ومن المتوقع أن تحول مئات الملايين في الفترات القادمة، وأعلن المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أن هذا التمويل لا ينتهك العقوبات التي تفرضها اسرائيل والمجتمع الدولي على حماس، وقد تركزت الأموال القطرية في تقديم المساعدات لموظفي حماس ونفقات إنسانية وشراء الوقود والقضايا الصحية والتعليمية.

هذا المقال يناقش التمويل القطري المالي الكبير، وأين بالضبط ذهبت الأموال القطرية في غزة، وكم استفادت حماس منها، وكيف اطمأنت إسرائيل الى الرقابة الأمنية المفروضة على توزيع هذه الأموال، وماذا تسعى قطر من دفع كل هذه المبالغ الطائلة، وما موقف السلطة الفلسطينية من هذا التمويل القطري الهائلة الذي لا يمر بالخزانة المالية الرسمية للسلطة.

فوفقا للتصريحات القطرية الرسمية فان كل الاموال والمنح والمساعدات القطرية لغزة لم تكن خارج التوافق الامريكي الاسرائيلي وبتنسيق كامل من السلطة الفلسطينية.

 وكانت البداية بمنحة الامير حمد بن جاسم والتي اعلن عنها في زيارته لغزة عام 2012  والتي قدرت بما يصل الى نصف مليار دولار تقريبا وخصصت بشكل كلي للمشاريع الانسانية والصحية والبنية التحتية طرق وشبكات صرف صحي ومياه وابار مياه وخدمات للحكم المحلي البلديات .

وشكلت هذه المنحة دفعة اقتصادية قوية لغزة فيما يتعلق ببناء مدينة حمد الاسكانية والتي تجاوز قيمتها 150 مليون دولار، ومشارع الطرق الرئيسية لغزة شارع صلاح الدين والرشيد بالإضافة الى العديد من مشاريع  البلديات وتوفير وقود مضخات مياه الصرف الصحي ومياه الشرب ومولدات المستشفيات . وبناء مستشفى حمد للأطراف الصناعية والتكفل بتشغيله ومشاريع تأهيل مساكن الفقراء وغيرها من التدخلات القطرية .

وهذا كله كان في اطار التوافق القطري الاسرائيلي المصري "حكم مرسي" ويدلل على ذلك القبول الاسرائيلي بدخول كل ما يلزم للمشاريع القطرية من الجانب الاسرائيلي بعد اغلاق بوابة صلاح الدين على اثر اسقاط مرسي؛ ولم يكن لدى اسرائيل اي مانع بل على العكس كانت المنحة القطرية تمنح التسهيلات والتنسيقات الخاصة لضمان نجاح التنفيذ .

وتطورت المنح القطرية بتطور العلاقة القطرية الاسرائيلية من خلال السفير العمادي والذي اصبح يمثل "جهاز الاطفاء والحماية المدنية " لكل من اسرائيل وحماس معا ، فكلما اشتدت الازمات على حماس وتوعدت على اثرها اسرائيل بالانفجار جاء العمادي بالأموال للكهرباء او للمساعدات الغذائية او الصحية، حتى تجاوز  اجمالي ما دفعته قطر كوقود للمستشفيات ومحطة التوليد ما يزيد عن 100مليون دولار وهذا الرقم قبل المنحة الاخير المرتبطة باتفاق التهدئة على الحدود .

وهذا المبلغ صرف الى جانب مبلغ اخر تجاوز تقريبا 100 مليون دولار على مساهمات في مؤسسات دولية واممية تعمل في غزة بالإضافة الى بناء المنازل المدمرة وتعويضات القطاع الصناعي والزراعي ما بعد الحرب 2014 ، وفي مجملها كانت جزء من  التعهدات القطرية بالمساهمة في اعادة الاعمار بمبلغ مليار دولار في مؤتمر القاهرة لإعادة اعمار غزة .

وانتقل التمويل القطري ليجاري متطلبات السياسة والامن الاقليمي في غزة فشهدنا التدخل المالي القطري لإنجاح ما عرف بتفاهمات تثبت الهدوء في غزة من خلال ضخ ما يزيد عن 150مليون دولار شملت ضمان تشغل محطة توليد الطاقة في غزة لتحافظ على انتاجية تصل حد 100ميجا من الكهرباء لتحسين جدول الوصل لمنازل المواطنين ؛ بالإضافة الى انقاذ الوضع المالي المرتبط بقدرة حماس على صرف رواتب موظفيها بعد حالة الجفاف المالي التي عانت منها مالية الحركة نتاج تسليم المعبر التجاري الوحيد الجالب للإيرادات للسلطة الفلسطينية .

بالإضافة الى المساهمة في تحسين الدورة الاقتصادية بالحد الأدنى وذلك من خلال ضخ خمسة مليون دولار للفقراء في غزة بشمل مباشر .

من الواضح ايضا ان كل التدخلات المالية القطرية استهدفت تحسين المكانة والمساهمة الفاعلة على المستوى السياسي الاقليمي والدولي لدولة قطر عبر البوابة الفلسطينية وغزة تحديدا وبرضى وقبول اسرائيلي بوصفه المراقب والراصد لكل خطوة  والمستفيد الامني الوحيد من حالة الهدوء والاستقرار الذي حققته الاموال القطرية؛ وتتفق السلطة الفلسطينية بشكل كلي مع التوجه والاهداف والرؤية الاسرائيلية في محاولة منها لخلق حالة من توازن المصالح على امل الاستفادة السياسية والاقتصادية ، ومن الواضح ان كل خطوة قطرية كانت تجري في غزة هي بتوافق ورضى وقبول السلطة الفلسطينية بشكل كامل رغم عدم اعلان ذلك.

وفيما يتعلق بحركة حماس في غزة فبالتأكيد القيادة العليا تعلم كل هذه التعقيدات وقررت الاستفادة من هذا التوجه فحققت هذه المشاريع الاستراتيجية خدمات افضل للمواطن في غزة من خلال شبكة طرق الربط الرئيسية "صلاح الدين والرشيد" ، بالإضافة الى انشاء اول مدينة سكنية بمواصفات راقية لمحدودي الدخل ؛ فضلا عن تسيير العديد من الخدمات المحلية والصحية والتعليمية بالأموال القطرية.

وعلى صعيد الاستفادة المالية فقد حققت حماس ومن خلال وزارة المالية التابعة لها اكبر كم من الايرادات الضريبية والرسوم  نتاج تشغيل العجلة الاقتصادية المحلية من شركات وعمال واستيراد وغيرها .

لقد عمل الجميع على تحقيق مصالحهم السياسية والاقتصادية والامنية ولا زالوا على ذات النهج

وبمشاركة لاعبين أمميين جدد، وبمشاركة قطرية مالية فاعلة أيضا، تمثلت في دمج منظمات الامم المتحدة بكل مؤسساتها بدأ من الاونروا و.... والمبعوث الخاص للأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف، في الجهود الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والامنية الضاغطة على الفصائل الفلسطينية تارة بالتهديد والوعيد وتارة اخرى بالترغيب والاموال والمشاريع.

فقد استمع الشعب الفلسطيني الى منح قطرية مؤخرا سرعان ما توزعت اوصالها بين منظمات الامم المتحدة والمؤسسات الدولية وبدأ الجميع يلعب في اعصاب المجتمع الفلسطيني تحت عناويين منها " قريبا عشرات الاف العمال في التوظيف المؤقت ، كهرباء على مدار الساعة ، مشاريع مياه سرب ومحطات تحلية، دعم وتعويص لمؤسسات القطاع الخاص، تفعيل عملية اعادة الاعمار، بناء المنازل المدمرة ، مشاريع للقضاء على البطالة ، فتح للمعابر والسماح بالتصدير والاستيراد ، توسيع مساحة الصيد البحري... الخ" وكلها في اطار الالعاب السياسية التي تحرق مزيدا من الوقت وتهدر كثيرا من الاموال دون تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي او الاقتصادي للشعب الفلسطيني.

وعليه فإننا اليوم أمام خطط استراتيجية وبمشاركة اسرائيلية عربية عالمية واقليمية لشراء مزيد من الوقت، لانضاج الظروف اللازمة لإخراج صفقة القرن " والتي هي بالأساس صفقة اقتصادية" والتي يرغب كل الاطراف قبل اطلاقها بتنظيف الساحة الفلسطينية من أي شكل من اشكال المعارضة،  بل يرغبون في التساوق الكامل معها، لخدمة مصالح واجندات اقتصادية عربية اسرائيلية امريكية في المنطقة على حساب الارض والشعب الفلسطيني والقضية برمتها.

اختم بالقول :" لا اموال تحت بند الهبات او المنح او الكرم الانساني، بل هناك من يخطط وهناك من ينفذ وهناك ايضا من يدفع المال".

بقلم / محمد خالد ابو جياب رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية