قبعة زرقاء شمس قارصة حر شديد ندوبٌ وبثورٌ وأطراف قد فُقدت ومنهم من توفاهُ الله

رجال تحت الشمس

الأحد 22 سبتمبر 2019 11:43 ص بتوقيت فلسطين

رجال تحت الشمس

هكذا كانت جولتي للعاملين الفنيين الكادحين في الميدان، بمنطقة حي الزيتون لتطوير شبكة الكهرباء لدى شركة توزيع الكهرباء محافظات غزة

نحنُ الوطن، والوطن نحن، تضحيات واضحة وبارزة يتردد ذكرُ مُضحيها على الألسن والشفاه، وتتناقلها الأجيال جيلاً تلوَ الجيل، وقد تُدَرسُ في المنهاج وبين الأسطر،  ولكن هل اقتصرت التضحيات على من يدافعون عن الأوطان قُرب خط الصفر!!! أو خلف خطوط العدو!!!

كل قطرة عرق تذرف فداء وطني الحبيب هي تضحية، ولكن هناك من يرون الموت بأعينهم كل يوم بدلَ المرة، يرونه عشرات المرات، إنهم أولئك العاملين فوق السلالم وعلى أعمدة الكهرباء، متجهةٍ وجهوهم نحو الشمس في الأعلى، عرقٌ يُذرَفُ كالسيل على ندوبٍ وبثورٍ قد خُدشت من صعقاتٍ كهربائيةٍ بشعة، قبعة يرتدونها لا يقل ثِقَلِها عن 2 كيلو وهي بمثابة أحد الأوزان التي يحملونها لاعبي كمال الأجسام خلال تدريباتهم، لكي تحميهم من حرارة الشمس وحروقها المسرطنة، والتي من الممكن أن تسبب العديد من الأمراض كالصداع المزمن وضربات الشمس ونزيف الأنف وغيرها من الأمراض، ننظر لأولئك العاملين من بعيد، فتراهم فوق الأرض تارةً، وتراهم تحتها تارةً أخرى، يعانون بصمت من كبد الحياة لتوفير لقمة عيشهم المغموسة بالشقاء والعناء، المحفوفة بالمخاطر من كل الجوانب وفي كل الأوقات، يبذلون ما بوسعهم لخدمة وطنهم وشعبهم يسهرون على راحتهم، ولكن أبناء وطنهم ربما من بينهم غير مدرك لحجم الصعوبات التي تحيطهم أثناء خروجهم من منازلهم، هل سيعودون لأُسَرِهِم  وأطفالهم سالمين؟ أم بأمراضٍ وإعاقاتٍ مستديمة؟ أم على نعشٍ خشبي؟ مع كل بزوغ فجر جديد  يتكرر السؤال ذاته، وفي كل مرة تُعاد الكرة، عدا عن حالات الطوارئ وما تحملها من كوارث طبيعية وحروب فُجائية، والتي لا يأبهون فيها أرواحهم ولا عوائلهم بل يخرجون مسرعين ملبين نداء أشقائهم وفلذات أكبادهم من جلدة أبناء وطنهم، لكي يقدموا إليهم الخدمات على أكمل وجه، بالرغم من كل المخاطر والتي من بينها فَقدٍ لأرواحهم المِعطاءة بلا حسابٍ ولا عتاب.

لم أحتمل أثناء جولتي الوقوف تحت الشمس ولا حتى النظر إلى أعلى ولا ارتداء القبعة التي لا يستطيع ولا يحتمل من يرتديها بأن يلتفت يميناً أو يساراً من ثقل وزنها، ولكن رغم كل ذلك المشقات إلا أني تعجبت من تلك الابتسامة النقية التي رُسمت على وجوهم والتي تُشعر ناظرها بأن منبعها القلب، يعملون يداً بيد، متكاتفين كقلب رجل واحد وروح فريق عمل متعاون.

هذه هي تجربتي مع شريحة صغيرة من العمال، ولا ننسى العاملين الآخرين، فلسان حالهم كلسان حال تلك الشريحة التي قابلتها، كعمال النظافة وشرطة المرور والنجدة وموظفو الخدمات في البلديات والمؤسسات الحكومية وفي كافة القطاعات.

حقاً لمثل هذه الشريحة أرفع القبعة وأنحني، فتحية إجلال وإكبار وإحترام وتقدير لهؤلاء الأبطال من العمال بكافة شرائحهم...

رجال تحت الشمس
رجال تحت الشمس

بقلم: فاطمة الزهراء حمزة الدريملي