نحو مستقبل ريادة الأعمال

الإثنين 16 ديسمبر 2019 08:33 ص بتوقيت فلسطين

نحو  مستقبل ريادة الأعمال

يشكل تمكين رواد الأعمال والشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة دعامة أساسية للنمو الاقتصادي والابتكار وللحد من معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب في الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
 
كيف يمكن للحكومات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء التعاون على تحسين أطر ريادة الأعمال؟

في عام 2015، تمّ إعادة النظر بسياسة الجوار الأوروبية (ENP) التي تشكل الإطار القانوني للعلاقات مع دول الجوار إلى جنوب وشرق الاتحاد الأوروبي. في ما يخص دول الجوار في الجنوب، وتحديدًا الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس، فقد تحول التركيز إلى تحقيق الاستقرار من خلال التنمية الاقتصادية وتطوير مناهج وعلاقات أكثر تلاؤما مع كل من هذه البلدان.
في تصريح له، قال مسؤول في الاتحاد الأوروبي أنّه "يتعين على كل من دول الاتحاد الأوروبي وشركائها من دول الجوار وضع الاستراتيجيات والرؤية المشتركة وتطبيق الاصلاحات  اللازمة. الأمر يتعلق بالعثور على المصالح والأرضية المشتركة بين الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة وحتى منطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها، وذلك في مختلف مجالات التعاون".
في ما يتعلق في مجال ريادة الأعمال، فقد كان التركيز على العمل مع الحكومات لتحسين البيئة التمكينية للقطاع الخاص في كل من البلدان الشريكة. فمن دون إصلاحات جدية من قبل السلطات المعنية، يكون تأثير الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة والمنظمات الإنمائية محدودا للغاية. وأضاف المسؤول الأوروبي أنّه "من دون الاصلاحات اللازمة، لن تتمكن هذه المشاريع بالنهوض بنفسها ويكون التمويل قد خدم لمرة واحدة".
ذلك يعني أنّ الدعم غالبا ما يرتبط بتغييرات أوسع نطاقا. على سبيل المثال، تمّ الإعلان في أبريل 2018 عن حزمة دعم من الاتحاد الاوروبي بقيمة 150 مليون دولار لإنعاش الاقتصاد اللبناني، لإنتاج حتى مليار ونصف  دولار على شكل قروض على شرط قيام المؤسسات المالية في البلاد بتحديد واقتراح مشاريع قابلة للتمويل واعتماد الاصلاحات اللازمة.
إنّ تعزيز مرونة الاقتصاد يعني أيضا الحد من آثار الحروب وهجرة الاجئين إلى دول الجوار، بما في ذلك لبنان، حيث تمّ تقديم أكثر من مليار يورو من المساعدات المباشرة. في الوقت نفسه، اعتبر رئيس سياسة الجوار في كلية أوروبا البروفيسور توبياس شوماخر أنّ الدعم المنسّق المقدم للأردن الذي عانى من مشكلة النزوح الناجمة عن الأزمة في سوريا والذي أتي على شكل معونات غذائية ومساعدات طبية ودعم للتعليم شكّل نجاحا كبيرا لسياسة الجوار الأوروبية في الآونة الأخيرة.

 

البطالة عند الشباب

تمثل البطالة عند الشباب إحدى القضايا الاجتماعية والاقتصادية الطارئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا والتي تعتبر الاعلى في العالم وفقا للبنك الدولي، حيث يبلغ معدلها حوالي 27%، بينما يصل معدل البطالة بين الشباب إلى 35% في مصر و36% في تونس و39% في الاردن.
بحسب سالفاتور نيغرو، وهو نائب الرئيس في منظمة EFE-Global التي توفر التدريب على المهارات للشباب في جميع أنحاء المنطقة: "في حين أنّ هذه الأرقام مشابهة لمعدلات البطالة عند الشباب في بعض الدول الأوروبية كإسبانيا وإيطاليا، إلا أنّ المثير للقلق في الشرق الأوسط وشمال افريقيا هو النسبة المتزايدة للشباب في التركيبة الديموغرافية المتنامية، وبالتالي ازدياد العدد المطلق للشباب العاطل عن العمل في هذه البلدان.يبلغ متوسط عمر السكان في الاتحاد الأوروبي 42,6 عاما1 بينما يبلغ متوسط العمر في الشرق الأوسط وشمال افريقيا 22 عاما2 فقط".
يضيف بيغرو: "علما أنّ 65% من السكان هم دون سنّ الـ30 عاما، فإنا نواجه زلزالا شبابيا هائلا وحالة طوارئ كبيرة. ويشير نيغرو إلى أنّ الحق في العمل  يشكل جزءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "عندما يكون المرء شابا يكون منتجا ويطمح لتحقيق ذاته والعيش في مجتمعه من خلال الحصول على مهنة".
مع ذلك، فإن الصورة ليست واضحة المعالم تماما. يقول نيغرو أنّ القطاع الخاص في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا يشهد نموا ملحوظا، إلا أن الشركات لا تزال تواجه مشكلة في توظيف اليد العاملة المؤهلة. "في بعض الأحيان، يكون الوصول إلى رأس المال والقروض أسهل بالنسبة للشركات من العثور على العامل البشري والموارد البشرية الازمة لأن نظام التعليم العام لا يعدّ الشباب فعلا لسوق العمل

".
 

الشركات الناشئة

لا شك أنّ الحماس في ما يتعلق بالشركات الناشئة وإمكانية التوسع السريع في الأعمال التجارية القائمة على التكنولوجيا تشكل إحدى العوامل الإيجابية التي برزت في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا طوال العقد الماضي، حيث ازداد عدد المبيعات الناجحة للشركات بشكل ملحوظ خلال السنتين الماضيتين.
غير أنّه بحسب المؤسس المشارك لمنظمة Enpact الإرشادية في برلين سيباستيان روباتشر، إنّ التحديات الكبيرة لا تزال قائمة، لا سيما نقص التمويل وصغر حجم الأسواق المحلية  في العديد من البلدان ما يجعل النمو صعبا لغاية. تملك Enpact أداة لقياس وتحليل النظم الإيكولوجية للشركات الناشئة في المناطق الحضرية: ففي دول الجوار الشريكة التي تغطيها الشركة، تحتل تونس وعمّان وبيروت المراتب الأولى.
كما أنه ثمة أسئلة مهمة يتعين طرحها في ما يخص الشركات الناشئة وشملها لمختلف الأشخاص. على سبيل المثال، أظهرت دراسة حديثة أجرتها EMNES حول الشركات المصرية الناشئة ميلا واضحا لصالح الرجال بين مؤسسين الشركات الناشئة والعاملين فيها. في الوقت نفسه، حوالي 70% من الشركات الناشئة موجودة في القاهرة وضواحيها التي تضم حوالي 25% من اجمالي سكان مصر، ما يشير إلى أنّه ثمة حاجة ملحة إلى توفير الفرص خارج المدن الرئيسية بالإضافة إلى تعزيز إدماج العنصر النسائي في سوق العمل في هذه الدول.
يقول روباتشر أنّ معظم مؤسسي الشركات الناشئة يأتون من خلفيات أكثر امتيازا، إذ يكونوا قادرين على الاعتماد على مدخراتهم الشخصية أو على الدعم العائلي لتمويل شركاتهم. يدعو الأخير إلى المزيد من التركيز على النشاطات التي تدعم الأشخاص من مختلف الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية ويشير إلى أنه "تمّ تأسيس المنح لمؤسسين في مصر، إذ ندفع للمؤسس 500 يورو شهريا للتركيز على تطوير فكرته. بذلك، نكون شملنا الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في تأسيس أعمالهم لأسباب مختلفة منها عدم توفر الدعم العائلي".
يشكل هذا الموضوع مشكلة إقليمية يتعين معالجتها: خلص منتدى المجتمع المدني "مجالات" لعام 2018 إلى أنّ برامج الشباب في الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون أكثر شمولا وأن تستهدف الشباب المهمش بالدرجة الأولى الشركات الناشئة أو الشركات الصغيرة والمتوسطة كمحرك لفرص العمل؟

يقول نيغرو أنّ: "كلمة رجل أعمل اصبحت مصطلحا سحريا في أيامنا هذه، وبات الكل يعتقد أن ريادة الأعمال متاحة  للجميع. غير أنّ ذلك غير صحيح. لا يمكن لأي شخص أن يصبح رائد أعمال".
عندما يتعلق الأمر بخلق فرص العمل، يعتقد نيغرو أن الشركات الناشئة ليست قادرة على خلق الكم اللازم من الوظائف لمواجهة بطالة الشباب التي تزداد في كل عام: فمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا بحاجة إلى 100 مليون وظيفة جديدة. والطريقة الوحيدة لتأمين هذه الوظائف هي من خلال العمل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة ومساعدتها على النمو. يشرح نيغرو أنو "إذا تمكنّا من دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة كي يصل عدد موظّفيها من 10 أو 15 موظفا إلى 50 موظفا، نكون قد أمّنّا الكم الازم من الوظائف، لأنّ الشركات الصغيرة والمتوسطة تؤمن جزءا كبيرا من الوظائف في المنطقة".
 
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أنّ الشركات الصغيرة والمتوسطة تؤمّن حوالي 30%  من وظائف القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، أي أقل من المعدل العام في معظم أنحاء العالم، ما يترك هامشا كبيرا للتحسّن.          
مع ذلك، يمكن للشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة أن تواجه المشاكل نفسها. فوفقا لنيغرو، تحتاج الشركات الصغيرة  في معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا إلى المزيد من التوجيه والتدريب، كما تواجه تحديات كبيرة في القضايا القانونية والبيروقراطية. وفقا للتقرير الصادر عن البك الدولي بعنوان "سهولة ممارسة الأنشطة التجارية"، تتخلف معظم الدول الشريكة في الجنوب عن الدول المتطورة في ما يتعلق بسهولة إنشاء الشركات التجارية وتسجيل العقارات والاستيراد والتصدير وإنفاذ العقود.
وفقا لخبير شؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا في مركز أبحاث Bertelman Stiftung السيد كريستيان هانيلت، تواجه الشركات الصغيرة على وجه الخصوص عقبات عملية تعدّ ولا تحصى من شأنها إعاقة نموّها، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية والحسابات المصرفية الأجنبية وصعوبة توظيف اليد العاملة الكفوؤة التي غالبا ما تبحث عن الوظائف في الشركات العالمية وفي الدول المتقدمة، ذلك بالإضافة إلى نقص في الشفافية عند التعامل مع المؤسسات الحكومية كالجمارك وغيرها.
مع ذلك، يتم احراز تقدّم في العديد من المجالات، إذ تعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا احدى المناطق الثلاث في العالم إلى جانب اوروبا وآسيا الوسطى وافريقيا، التي حققت أعلى معدل تحسن منذ عام 2004 وفقا للبنك الدولي، وذلك في ما يتعلق بسهولة ممارسة الأنشطة التجارية
  

التمويل

تعتبر فجوة التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة التي تقدّر بـ260 مليار دولار احدى العوامل التي تعيق نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة وبالتالي تعيق خلق فرص العمل. فمعظم المصارف معتادة على إقراض الحكومات وشركات القطاع الخاص الكبيرة باعتبار أنّ مخاطرها قليلة، وبالتالي فإنّ شهية المصارف على دعم الشركات الصغيرة من خلال القروض شبه معدومة.
غير  أنّ في السنوات الأخيرة، قامت العديد من المنظمات الأوروبية، بما في ذلك البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (ERBD) والبنك الأوروبي للاستثمار (EIB) و بنك الائتمان لإعادة الإعمار (KfW) والوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) بالعمل على تأمين التمويل لدعم القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة. وقد تمّ توفير جزء كبير من التمويل لمصارف المحلية لتأمين أو دعم القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة.
بالإضافة إلى ذلك، فقد تحسن التنسيق على هذا المستوى. على سبيل المثال، أرسل الاتحاد الأوروبي في يوليو 2018 وفدا من ثماني مؤسسات مالية تنموية إلى تونس بهدف "إعادة تأكيد دعمها لتونس، لا سيما لبرامج الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي التي تهدف إلى تحفيز النمو وخلق فرص العمل".
 

تعميم مراعاة المنظور الجنساني ( الجندر )

يمكن لمنظمات المجتمع المدني أيضا أن تلعب دورا مهما في العمل على تحسين البيئة التمكينية ومعالجة القضايا المتعلقة بالحوكمة الرشيدة وسيادة القانون والعدالة وحقوق الإنسان. تتمثل إحدى هذه القضايا التي تمس معظم اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في دور المرأة. فعادة ما يكون تمثيل المرأة في القوى العاملة منتقصا في العديد من هذه الدول التي تحدّ بعضها من حقوق المرأة من خلال قوانين تقييدية غير عادلة تضرب مفهوم المساواة بين المرأة والرجل.
يقول رئيس منظمة يوروميد الحقوقية وديع الأسمر أن مجموعات المجتمع المدني في المنقطة قد حققت بعض النتائج الإيجابية في مجال تعميم مراعاة المنظور الجنساني: "بشكل عام، تتحسّن قوانين حماية المرأة في المنطقة ببطء لكنها تتحرك بالاتجاه الصحيح". غير أنّه عندما يتعلق الأمر بمشاركة المرأة في النشاطات السياسية والأعمال، بما في ذلك تمثيلها في مجالس إدارة الشركات، فما زالت النساء بعيدات كلّ البعد عن تحقيق المساواة، وذلك في معظم أنحاء المنطقة.
 

النظرة المستقبلية

ثمة حاليا وعي متنامي للحاجة إلى إيجاد حلول لمعالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتغيير المناخي الذي بدأت آثاره السلبية تظهر بالفعل في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بما في ذلك درجات الحرارة المرتفعة وازدياد الجفاف صيفا، ما يشكل ضغطا هائلا على الموارد المائية الحيوية خصوصا للزراعة. يأتي كلّ ذلك في وقت يتزايد فيه عدد السكان وفقا للسيد لخبير بيرتلسمان شتيفتنغ السيد هانيلت: "يواجه الانتاج الزراعي في البلدان الشريكة في منطقة البحر المتوسط تحديات كبيرة من جراء ارتفاع درجات الحرارة بسبب التغير المناخي. يجب التركيز بشكل أكبر على كيفية توفير المياه وإيجاد المزيد من مصادر الدخل للانتاج الغذائي".

 

 

 

سمير رشيد استشاري تطوير اعمال