إذا أدرت أزمةً بنجاح، فستدير دولة

السبت 02 أكتوبر 2021 11:15 م بتوقيت فلسطين

إذا أدرت أزمةً بنجاح، فستدير دولة

هل سألت نفسك يومًا ما ماذا يعني أن تكون مديرًا ؟؟ وهل أجبت نفسك حينها بأن المدير هو من يشرف ويتابع ويصدر الأوامر ... لا .. هناك حلقة مفرغة في منتصف الإجابة، سنبحث عنها في هذا المقال ، فرغم أن هذا هو الفكر السائد عن معنى الإدارة ، إلا أن الأمر ليس كذلك .. لنتفق أولًا أن الإدارة الناجحة لا تقوم على شخص فقط بل هي منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة ولكن اللبنة الأولى لهذه المنظومة كان شخصًا آمن بالجهد الجمعي قبل أن يؤمن بنفسه ، ولهذا هناك مدير تُخلّده المؤسسة ويزداد الاعتماد عليه في الاستشارات فينتخب مرة أخرى وهناك من يفقد ثقة جمهوره بل قد يكون سببًا في تفكك المنظمة التي يرأسها وهذا ينطبق على كافة المنظمات بدءًا بإدارة البيت وصولًا إلى إدارة البيت الأبيض ..

فالوصفة السحرية لنجاح أيّ دولة هي إدارتها والأمر لاعلاقة له بعمر من يدير كما أشرنا في المقال السابق بل إن الوصفة السحرية هي في شخصية من يدير ومدى تمكنه من فنون الإدارة وعلمها فحتى تكون إداريًا ناجحًا عليك أن تعرف أن الإدارة: فن وموهبة، وعلم ومعرفة .. فلا يكفي أن تكون موهوبًا أو تملك بشكل فطري قدرات تؤهلك لأن تقود مؤسسة أو حزبًا أو أي منظمة فالفن بحاجة لصقله بالعلم والمعرفة وإلا لما كان هناك كتبا تتحدث عن علم الإدارة وتشرح قواعدها وأساليبها .. ولكن ما يجب أن نتفق عليه أن الموهبة وكاريزمة الشخصية والفن الموجود بداخلك منذ صغرك يُسهّل عليك أن تصبح إداريًا مميزًا بل أن تقود دول ومنظمات لا يقوى على إدارتها شخص أدرك وعلم وعرف كل قواعد الإدارة دون أن يملك بالفطرة شخصية أو موهبة تمكنه من ذلك ..

ومن هنا على من يحكمنا أن يستثمر مثل تلك الشخصيات التي تولد بالفطرة ، شخصيات قيادية يسهل أن تتحول بالعلم والإدراك والاجتهاد إلى رموز في فن الإدارة، فاللبنة الأساسية لأي إداري هو امتلاك صفة القيادة فهو يحتاج “موهبة فطرية” أو صفات غير قابلة للقياس، ولكن ذلك لا يقلل من قيمة الاطلاع و المعرفة.

فَسِر نجاح أي منظمة اقتصادية أو تعليمية أو رياضية أو سياسية .. إلخ هي الإدارة المتكاملة في أركانها ووظائفها مهما كانت المنظمة صغيرة ومهما كان مجالها، فنجاحها مرتبط بنجاح إدارتها صحيح أن الإدارة علم قديم لكن تحديثه مطلوب فالصورة النمطية القديمة عن الإدارة آن لها أن تمحى من العقل الباطن لصالح المفهوم الحديث، فالمدير ليس ذلك الشخص العابس الذي يعتبر مروره بين الأقسام مشهد رعب هوليوودي ... أو ذلك الأرستقراطي الذي يظن بأنه قد وصل إلى حافة سلم صاعد متناسيًا بأن السلم ربما يُكسَر في أية لحظة فيهوي.. العبارة التي لابد أن ترسخ في أذهان كل مدير أن الحفاظ على مكانك أعلى السلم أصعب من صعود السلم نفسه ..

وربما المصطلح الأقرب لذهن أي مواطن هي أن الإدارة شطارة ..قد تبدو كلمة عادية لكن "الشطارة "قد اجتهد علماء لشرحها واستغرقت من المؤلفين سنوات كي يكتبوا عنها في مؤلفات هامة أنصحك بقراءتها وعلى سبيل الذكر لا الحصر كتاب صدر عام 1982 كان في حينه سابقًا لعصره وكأنه يروي تفاصيل ما وصل إليه العالم الآن.

فرغم أن الكتاب يعود إلى حقبة الثمانينيات إلا أن كل المبادئ التي جاءت فيه صالحة لكل زمان ومكان إنه كتاب "مدير الدقيقة الواحدة (The one minute Manager)" . الكتاب حقّق مبيعات بالملايين واعتبر من أفضل الكتب مبيعًا، وترجم إلى 37 لغة بينهم اللغة العربية ، من تأليف كل من كين بلانشارد وسبنسر جونسون إنه كتاب صغير بصفحاته لكنة يحتوي على مجموعة نصائح مركزة لضبط العلاقة بين المدير والموظف، وتحول المدير من مجرد مراقب إلى مصدر لإلهام موظفيه بالأفكار ومصدرًا للطاقة الإيجابية في مكان العمل ..

بعض الشركات التنافسية ترى أحيانًا أن سقوط منافسيها هو نصر لها وهذا نراه جليًا في تنافس الأحزاب السياسية التي تقيس نجاحها بمدى فشل الآخرين وهذا سر تراجعنا في الإدارة السياسية وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل في المقال القادم .. وكما قال غازي القصيبي في كتابه حياة في الإدارة "إن أي نجاح لا يتحقق إلا بفشل الأخرين هو في حقيقته هزيمة ترتدي ثياب النصر"

وعلى الوجه المقابل هناك من لا يستطيعون حتى استثمار فشل الآخرين فهم يغرقون في الإدارة العشوائية وبالتالي تدفع مؤسساتهم ضريبة كبيرة نتيجة غياب الإدارة الفاعلة وعدم تطوير مناهج العمل فالخسارة ليست مادية فقط بل إن مضيعة الوقت خسارة وضعف إدارة الموظفين وتسخير طاقتهم وأفكارهم للعمل هو أيضًا استنزاف للرصيد البشري للمؤسسة والخسارة الأكبر لسوء الإدارة ومحدودية التصور الاستراتيجي يخرجك من دائرة التنافسية مع الآخرين ..

أما إذا خططت جيدًا ولكنك عجزت عن توزيع المهام ووضعت رجلًا غير مناسب في مكان غيره فهذا يعني إهدار للموارد البشرية، أما إذا خططنا ونفذنا ثم لم نُقيّم ما وصلنا إليه فهذا يعني أننا سنعود ندور في ذات الدائرة دون الاستفادة من الأخطاء السابقة وتطوير الأدوات وبالتالي ستكون هذه أول خطوة على طريق الخروج من دائرة التنافسية.

ختامًا .. الإدارة تبني دول وتبني حضارات وأمم وهي أصل نجاح أي مؤسسة أو منظومة ، حتى حل الأزمات مفتاحها هي الإدارة فلنسأل أنفسنا: لماذا تخطّت دول أزمة ال كورونا بينما غرقت في آثارها دولٌ أخرى .. فإدارة الأزمات لا تقل أهمية عن إدارة حكومات لأن فشل إدارة الأزمة قد تسقط حكومات.

هذا الأمر عمل به الرومان قبل ١٠٠ عام .. إن سر الحضارة الرومانية هو إتقانها لفن الإدارة الفاعلة وهذا حدث أيضًا مع ألمانيا فقد سجلت نموًا سريعًا بعد الحربين العالميتين، واليابان أيضًا نموذجًا آخر على إتقان سحر الإدارة فقد نمت بسرعة الصاروخ بعد الحرب العالمية الثانية ، لذلك عندما تكلمني عن أهمية العلم مثلًا في بناء الأمم كلمني قبل ذلك عن حسن إدارة المؤسسات التعليمية فعصر ميجي في اليابان هو العصر الذي تلى العصر الإقطاعي للساموراي، وهو الذي بنى اليابان الحديثة على أساسين هما الإدارة والتعليم.

الاقتصادية